: والدلالة على أنه يبني عليها جمعة؛ خلافًا للشافعي - رحمه الله -
الجزء: 3 - الصفحة: 255
في قوله: يبني ظهرًا 1: ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى" 2، وهذا قد من أدرك منها ركعة، فيجب أن يُصلي إليها أخرى، وهو عام في الوقت وغيره، ولأنها صلاة مؤقتة، فخروجُ وقتها لا يمنع إتمامَها؛ دليله: سائر الصلوات.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يجوز فعل جميعها خارج الوقت، فلهذا جاز فعل بعضها، والجمعة لا يجوز فعل جميعها خارج الوقت، فلا يجوز فعل بعضها.
قيل: الحج لا يجوز فعل جميعه خارج الوقت، ويجوز فعل بعضه.
وجواب آخر: وهو أنه ليس إذا لم يجز فعلها إذا لم يدرك شيئًا من الوقت لم يجز إذا أدرك منه؛ كما أنه لا يجوز فعلها إذا لم يدرك ركعة مع العدد، ويجوز إذا أدرك ركعة مع الإمام، ثم سلم، ويدل على أنه لا يجوز بناء الظهر عليها، هو: أن إحدى الصلاتين يجهر فيها بالقراءة، والأخرى لا يجهر فيها، فوجب أن لا يجوز بناء إحداهما على الأخرى؛ دليله: الفجر، والظهر، ولأنهما صلاتان مختلفتان؛ بدلالة: أن إحداهما تفتقر إلى شرائط لا تفتقر إليها الأخرى؛ مثل: الإمام، والخطبة، والوقت، والعدد، فلا يجوز بناء إحداهما على الأخرى؛ قياسًا على الفجر، والجمعة.
الجزء: 3 - الصفحة: 256
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنهما صلاتا وقتين، فلم يجز أن تؤدَّى إحداهما بتحريمة الأخرى، وها هنا صلاتا وقت واحد؛ لأن قومًا يصلون في الظهر ركعتين، وآخرون أربعًا، فجاز بناء إحداهما على الأخرى؛ كصلاة السفر، والحضر.
قيل له: ليس من حيث كانتا صلاتي وقت واحد يجوز بناء إحداهما على الأخرى، ألا ترى أنه لا يجوز بناء صلاة الجمعة على صلاة الظهر، وصلاة السفر على صلاة الحضر، وإن كانتا صلاتي وقت واحد؟ واعتبارهما بصلاة السفر، والحضر لا يصح؛ لأنهما لو كانا بمنزلتهما، لما اختلفا في مسنون القراءة، ولوجب أن يجوز قضاؤهما جميعًا بعد الفوات؛ كما يجوز قضاء صلاة السفر والحضر، ولوجب أيضًا بناء الظهر على تحريمة الجمعة قبل خروج وقت الظهر؛ كما يجوز بناء صلاة الحضر على صلاة السفر قبل خروج الوقت.
فإن قيل: اختلافهما في الجهر لا يمنع البناء، ألا ترى أنه يبني الركعتين الآخرتين من العشاء الآخرة، والركعة الثالثة من صلاة المغرب، وإن كانتا مختلفتين في الجهر والإسرار؟ وكذلك يصلي المأموم النافلة خلف من يصلي الفريضة، ويبني على صلاته، وإن كانتا مختلفتين في مسنون القراءة، كذلك ها هنا.
قيل له: إنما جاز بناء الأخريين على الأوليين، وإن اختلفا في الجهر؛ لأنها صلاة واحدة، وها هنا صلاتان مختلفتان، وأما المتنفل خلف المفترض، فإنما صح؛ لأن القراءة غير معتبرة في حق المأموم،
الجزء: 3 - الصفحة: 257
فلهذا لم يعتبر اختلافهما في الجهر والإخفات، وفي مسألتنا القراءةُ معتبرة في كل واحدة من الصلاتين.
وقياس آخر: وهو أن تحريمته أوجبت الجمعة، فلا يجوز له أن يبني الظهر عليها.
دليله: إذا كان الوقت باقيًا، والشرائط موجودة.
قيل: قد يجوز أن يبني الظهر عندنا مع بقاء الوقت، وهو: إذا دخل معه في التشهد إذا انفضوا قبل الفراغ.
قيل: تقيس عليه إذا أحرم من أول الصلاة، ولم ينفضوا.
فإن قيل: إنما لم يجز أن يبني الظهر على الجمعة إذا كان الوقت باقيًا؛ لأنه لو لم يكن في الجمعة، لم يجز له أن يفتتح الظهر، وإذا كان فيها، لم يجز له بناء الظهر عليها، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لو افتتح الظهر في هذه الحال، جاز، كذلك يجوز أن يبني على إحرامه.
قيل له: المرأة لو لم تكن في صلاة الجمعة، جاز لها أن تفتتح الظهر، ومع هذا إذا دخلت مع الإمام في الجمعة، لم يجز لها أن تبني عليها الظهر، وكذلك العبد، وكذلك إذا كان الرجل في الظهر، فذكر أن عليه الفجر، لم يجز له أن يبني الفجر على تحريمة الظهر، وإن كان عند مخالفنا لو لم يكن في الظهر، جاز له أن يفتتح صلاة الفجر.
فإن قيل: إذا كان الوقت باقيًا، فلا حاجة له إلى بناء الظهر على الجمعة، وليس كذلك إذا خرج؛ فإن به حاجة إلى بناء الظهر على الجمعة؛ لفوات الوقت، فلهذا فرقنا بينهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 258
قيل له: فيجب أن نقول: إذا أحرم بالفجر، ثم ذكر أن عليه الظهر، أن يبني عليها ظهرًا؛ لحاجته إليه.
فإن قيل: أليس لو أدرك الإمام في التشهد، جاز له أن يدخل معه بنية الجمعة، ويبني الظهر على الجمعة؟ وكذلك لو أحرم بالصلاة من أولها مع الإمام، ثم زحم حتى فاته الركعتان، بنى عليها ظهرًا، وكذلك لو تفرق العدد الذي تنعقد بهم الجمعة في أثناء الصلاة، بنى على جمعة.
قيل له: أما إذا أدركه في التشهد، فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فقال الخرقي 3: يبني على الظهر إذا كان قد دخل بنية الظهر.
وظاهر هذا: أنه لا ينوي الجمعة، وإنما ينوي الظهر، فعلى هذا قد بنى على نية ظهر، فلا يلزم.
وقال أبو إسحاق 4: يجوز أن يدخل بنية الجمعة، ويبني عليها.
فعلى هذا إنما جاز أن ينوي الجمعة، مع تحققه لفواتها، ووجوب إتمامها، كما جاز للمسافر أن ينوي القصر، مع علمه أنه يصل إلى البلد قبل فراغه من الصلاة، فيلزمه الإتمام، كذلك الجمعة، وأما إذا أحرم مع الإمام من أول الصلاة، ثم زحم عن الركعتين جميعًا، ففيه روايتان 5:
الجزء: 3 - الصفحة: 259
إحداهما: تصح له جمعة، ويبني عليها جمعة، فعلى هذا قد بنى جمعة على نية.
والثانية: لا تصح جمعته، ويبتدئ الصلاة ظهرًا، ولا يبني على تحريمة الجمعة، نص عليه في رواية ابن منصور 6، فقال: إذا زحم يوم الجمعة، فلم يقدر على الركعتين جميعًا، استقبل الصلاة، والاستقبال يقتضي ابتداء التكبيرة، فعلى هذا ما بنى ظهرًا على نية جمعة، وأما إذا تفرق العدد 7 في أثناء الصلاة، فإنه يستأنف الصلاة، قال أبو بكر 8: إذا لم يتم العدد في الصلاة أو الخطبة، يعيدون الصلاة؛ لأن انتهاءها في هذا كابتدائها.
واحتج المخالف: بأنهما صلاتا وقت واحد، أو صلاة مردودة من أربع إلى ركعتين، فجاز بناء الثانية على الناقصة، أو بناء الأربع على الركعتين، أصله: صلاة السفر والحضر؛ فإن المسافر إذا أحرم في السفينة، ينوي ركعتين، ثم قدمت السفينة البلد قبل أن يسلم منها، فإنه يجعلها أربعًا.
والجواب: أن الفرق بين الجمعة والظهر، وبين صلاة السفر والحضر، يتفقان في الجهر، والإخفات، والقضاء، والأداء، وهذا معدوم في الجمعة والظهر.
الجزء: 3 - الصفحة: 260
واحتج: بأن الأصل الظهر، وإنما نقلت إلى الجمعة بشرائط، منها: الوقت، وقد عدم.
والجواب: أن الوقت الذي أجمعنا على وجوده، هو أن يبتدئ بها في الوقت، فأما استدامة الوقت، فلم يقع الإجماع عليه.
واحتج: بأن وقت العصر وقت لا يصح أن يبتدأ فيه الجمعة، فلا يصح أن يستدام؛ دليله: قبل الوقت.
والجواب: أن المسبوق بركعة إذا سلم إمامُه، يستديم الجمعة في حال الانفراد، ولا يصح أن يبتدئ بها.
فإن قيل: إنما يصح أن يستديم؛ لأنه يبني على جمعة كاملة، وليس كذلك إذا خرج الوقت؛ لأنه لا يبني على جمعة كاملة.
قيل: فإذا أدرك الإمام في التشهد، فإنه يبني على جمعة كاملة، ومع هذا، فلا يصح الدخول فيها، فامتنع أن يكون الاعتبار بكمالها في حق غيره، وإنما الاعتبار بفعله.
وجواب [آخر] 9: وهو أن ما قبل الوقت لا يصح تحريمته بالجمعة، فلهذا لم يصح البناء، وها هنا قد صحت التحريمة، فلهذا صح البناء، والله أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 261
169 -