مَسْألَة: لا يكره البكاء بعد خروج الروح كما لا يكره قبل خروجها:
قال الفضل بن زياد: رأيت أحمد رحمه الله يبكي على محمد بن عاصم، وهو يدفن.
خلافًا للشافعية في قولهم: وقت البكاء قبل خروج الروح، ويكره بعد خروجها.
دليلنا: ما روى أبو بكر الخلال بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: "سألت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي".
الجزء: 4 - الصفحة: 334
ولأنه إذا جاز البكاء عليه حذر الموت جاز البكاء حزنًا لأجل الموت؛ لأن [البكاء قبل خروج الروح] إنما هو حذر من الموت.
واحتج المخالف: بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى عبد الله بن ثابت - رضي الله عنه - يعوده فوجده قد غلب فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية" قيل: يا رسول الله ما الوجوب؟ قال: "الموت".
والجواب: أنه محمول على الندب، فالنياحة التي كانت عادتهم يفعلونه بعد الموت.
واحتج: بأن ما قبل الموت يرجى، فالبكاء عليه حذر، فإذا مات انقطع الرجاء، فلا معنى للبكاء.
والجواب: أن البكاء حذرًا أو حزنًا، فالبكاء لهما، ولهذا روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ ابنه إبراهيم عليه السلام في حجره وهو يقضي فقال: "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون"، وهذا يدل على أن دمع العين للحزن عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
106 -