مَسْألَة: القراءة شرط في صحة صلاة الجنازة:
نص عليه في رواية عبد الله فقال: الصلاة على الميت: يرفع يديه فيكبر، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب، ثم يكبر ويرفع يديه، فيصلي على
الجزء: 4 - الصفحة: 285
النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى الملائكة المقربين، ثم يرفع يديه ويكبر ويدعو للميت، ثم يرفع يديه فيكبر ويخلص الدعاء للميت، ويقف قليلًا بعد الرابعة ويسلم.
وروى أبو داود، وأحمد بن حسين بن حسان عنه نحو هذا.
وهو قول الشافعي رحمه الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يقرأ في صلاة الجنازة، ولكن يكبر الأولى، ويحمد الله تعالى ويثني عليه، ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يكبر الثالثة فيشفع للميت، ثم يكبر الرابعة ويسلم.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن مقسم - رضي الله عنه - قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.
وروى أيضًا بإسناده عن شهر بن حوشب عن أم شريك - رضي الله عنهما - قالت: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأ على الجنازة بأم القرآن.
وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
فإن قيل: نحمل ذلك على أنه أمرهم بذلك على وجه الدعاء.
قيل له: أم القرآن وفاتحة الكتاب لا تسمى دعاء، فلا معنى يحمل الخبر عليه.
وروى أيضًا بإسناده عن مقسم [عن]، ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.
فإن قيل: نحمل هذا على أنه قرأها على وجه الدعاء.
الجزء: 4 - الصفحة: 286
قيل له: من سمع منه قراءة الفاتحة لا يقال: دعاء، وإنما يقال 1: قرأ فلم يصح هذا السؤال.
وروى أيضًا بإسناده عن عثمان النهدي عن امرأة منهم يقال لها: ابنة 2 عفيف قالت: بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النساء فأخذ عليهن أن لا يحدثن من الرجال إلا محرمًا، وأمرنا أن نقرأ على ميتنا 3 بفاتحة الكتاب.
وروي أيضًا عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.
وروى أيضًا بإسناده عن عباد بن أبي سعيد المقبري قال: صلينا على جنازة بمكة فقام حبرنا ابن عباس - رضي الله عنهما - فكبر ثم قرأ بفاتحة الكتاب فجهر ثم صلى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: هكذا ينبغي الصلاة على الجنازة وإني لم أجهر إلا لتعلموا أنها كذا.
وروى يزيد بن طلحة قال: صليت خلف ابن عباس - رضي الله عنهما - فقرأ بفاتحة الكتاب، فقلت له، فقال لي: هي السنة.
والقياس: أنها صلاة يجب فيها القيام، فوجبت فيها القراءة مع القدرة عليها، قياسًا على سائر الصلوات، ولا يلزم عليه سجود تلاوة؛ لأنه ليس من شرطها القيام، ولا يلزم عليه الطواف؛ لأنه لا يتناوله اسم
الجزء: 4 - الصفحة: 287
الصلاة على الإطلاق.
وإن شئت قلت: صلاة مفروضة فكان من شرطها القراءة، دليله: سائر الصلوات.
فإن قيل: سائر الصلوات فرض على الأعيان، وهذه فرض على الكفاية.
قيل: فيجب إذا تعينت على قوم أن يجب فيها القراءة، ثم فرائض الأعيان والكفاية سواء في الابتداء في توجه الخطاب، وإنما يختلفان في الانتهاء.
واحتج المخالف: بما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: لم يوقت لنا فيها قولًا ولا قراءة، كبر ما كبر الإمام، واختر من أطيب الكلام.
وروي أن مروان سأل أبا هريرة - رضي الله عنه -: كيف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الجنائز؟ قال: "اللهم أنت ربها وأنت خلقتها" 4، وذكر دعاء.
وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على جنازة فقال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا"، وذكر دعاء.
وروى يونس بن ميسرة عن واثلة بن الأسقع - رضي الله عنه - قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل من المسلمين فسمعته يقول: "إن فلان بن فلان في ذمتك فقه الفتن".
الجزء: 4 - الصفحة: 288
فذكر عنه في هذه الأخبار الدعاء فيها، ولم يذكر القراءة.
والجواب عن حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه لا يقتضي كراهة القراءة، وعندهم أنه يكره، وعلى أن قوله: لم يوقت لنا نفي، وخبرنا فيه إثبات والتوقيت بالفاتحة، فهو أولى.
وأما حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وأنه سمعه يقول: "اللهم أنت ربنا اللهم اغفر لحينا وميتنا"، فلا حجة فيه على إسقاط القراءة؛ لأن الخبر قصد به بيان الدعاء الذي كان يقوله في صلاة الجنازة، ولم يتعرض لغيره من القراءة، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
واحتج: بأن الحاجة إلى معرفة القراءة في صلاة الجنازة كالحاجة إلى معرفة القراءة في سائر الصلوات، فلو كانت القراءة ثابتة لورد النقل بها كما ورد في سائر الصلوات، ولما لم يرد عُلِمَ أنه ليس فيها قراءة.
والجواب: أنه لا يمتنع أن تدعو الحاجة إلى معرفة، ولا يرد النقل به متواترًا كالأذان والإقامة مع حصول الاختلاف في ألفاظه والوتر مع قولهم بوجوبه.
واحتج: بأنها صلاة على الميت فلم يكن فيها قراءة، كالصلاة على القبر، وقد روى البزراطي وقد سئل: إذا صلى على القبر يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب كما يقرأ على الجنازة؟ قال: لا يقرأ على القبر شيئًا من القرآن.
والجواب: أن المذهب الصحيح أن القراءة واجبة في الصلاة
الجزء: 4 - الصفحة: 289
على القبر، كوجوبها على الجنازة؛ لأن الجماعة رووا عنه جواز الصلاة على القبر من غير منع القراءة.
واحتج: بأنه ليس فيها ركوع، فوجب أن لا يكون فيها قراءة كالطواف.
والجواب: أن سقوط الركوع لا يدل على سقوط القراءة كما لا يدل على سقوط الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأن أخذ حكم القراءة من القيام أولى منه الركوع؛ لأن القيام محل القراءة، وموضع فرضها، وهو واجب في هذه الصلاة.
وأما الطواف فلا يتناوله اسم الصلاة على الإطلاق.
واحتج: بأنه ليس في جملتها قراءة السورة، فوجب أن لا يكون فيها قراءة الفاتحة، دليله: الطواف، وسجود التلاوة، ومع هذا فالقراءة فيهما غير مكروهة، كذلك ها هنا، وعلى أن السورة سقطت لضرب من التخفيف، ولهذا أسقط دعاء الاستفتاح فيها، وليس إذا دخل التخفيف من وجه يجب أن يدخل في جميع الجنس، ألا ترى أن التخفيف دخلها في دعاء الاستفتاح، ولم يوجب ذلك في بقية الأذكار من الأدعية؟ !
وأما الطواف فقد تكلمنا عليه، وأما سجود التلاوة فليس من شرطه القيام.
واحتج: بأنه لو كان فيها قراءة لوجب أن يقرأ بعد كل تكبيرة؛ لأن كل تكبيرة منها قائمة مقام ركعة، ألا ترى أن من أدرك الإمام في التكبيرة
الجزء: 4 - الصفحة: 290
الثالثة كبر معه وتابعه في الرابعة وقضى ما سبقه بعد فراغ الإمام؟ ! كما لو أدرك الإمام في الركعة الثالثة من الظهر أنه يتابعه في بقية صلاته، ويقضي ما سبقه به.
والجواب: أنا لا نسلم أن التكبيرات بمنزلة الركعات، وإنما هو قيام مشروع فيه تكبيرات كتكبيرات صلاة العيد، ويأتي الكلام على هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
وعلى أن القراءة متكررة في سائر الصلوات؛ لأن محلها تكرر وهو القيام، وليس كذلك ها هنا؛ لأن محل القراءة لا يتكرر، فلم تتكرر القراءة، ولهذا المعنى سقط التشهد فيها؛ لأن محله غير موجود، وهو الجلوس.
واحتج: بأن صلاة الجنازة ركن من أركان الصلاة، وهو القيام ينفرد بنفسه، فلم يتضمن قرآنًا كسجود التلاوة والشكر.
والجواب: أن الوصف غير موجود في الأصل والفرع؛ لأن سجود القراءة هو تكبير، وسلام، وسجود، وكل واحد ركن، وصلاة الجنازة: تكبير، وقراءة، وقيام، وكل واحد ركن، وعلى أن سجود التلاوة المعنى الذي فيه ما ذكر، والله تعالى أعلم.
86 -