مَسْألَة: إذا خطب جالسًا لغير عذر، فقد أساء، وتجزئه:
نص على هذا في رواية علي بن سعيد 1، فقال: يخطب قائمًا، خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا، فإن خطبهم جالسًا، وصلى، يجزئهم، ولا يعيدون.
وقد أطلق القول في رواية الأثرم 2، وعبد الله 3، فقال: يخطب قائمًا.
وهذا محمول على الاستحباب.
الجزء: 3 - الصفحة: 195
وبه قال أبو حنيفة 4، ومالك 5 - رحمهما الله -.
وقال الشافعي - رحمه الله -: لا يجزئه تركُ القيام مع القدرة عليه، ولأنه من قيامين بينهما جلسة، وإن كان مريضًا، خطب جالسًا، ويفصل بين الخطبتين بسكتة تنبه 6.
دليلنا: أنه ذكرٌ يتقدم الصلاة، فلم يكن من شرط صحته القيام؛ دليله: الأذان والإقامة، ويبين صحة هذا: ما ذكرنا: أن فساد الركعتين لا يوجب فساد الخطبة، كما لا يوجب فساد الأذان، ويبين صحة هذا: أن القيام شرع في الأذان كما شرع في الخطبة، وليس بشرط في صحة الأذان، كذلك الخطبة.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الأذان ليس بشرط في صحة الصلاة، وليس كذلك الخطبة، لأنها شرط في صحة الصلاة، فكان من شرطها القيام.
قيل له: يبطل بالقراءة في صلاة النافلة، القراءة شرط في صحتها، وليس القيام شرطًا في صحتها، كذلك التشهد الأخير، والصلاةُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة الفرض هو شرط في الصلاة، وليس من شرطه القيام،
الجزء: 3 - الصفحة: 196
ولأنه أتى بألفاظ الخطبة على وجه التعظيم، أشبهَ إذا أتى به في حال القيام، ولأنه ذكرٌ ليس من شرطه استقبال القبلة بحال، فلم يكن من شرطه القيام؛ دليله: لفظ الشهادتين، والتلبية، والتسمية على الذبيحة.
فإن قيل: قد يسقط الاستقبال، والقيام شرط، وهي في حال شدة الخوف.
قيل له: قد احترزنا عنه بقولنا: بحال، وذلك أن الذكر من شرطه استقبال القبلة بحال، وهو في حال الأمن.
فإن قيل: المعنى في الشهادتين، والتسمية، والتلبية: أنه لم يشرع فيها القيام، وليس كذلك الخطبتان؛ لأنه قد شرع فيها القيام.
قيل له: ليس إذا شرع فيها ينبغي أن يجب؛ بدليل: الأذان والإقامة، قد شرع فيه القيام، وليس بواجب.
واحتج المخالف: بما روى جابر 7، وابن عمر 8، وأبو هريرة 9 - رضي الله عنهم أجمعين -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب يوم الجمعة قائمًا
الجزء: 3 - الصفحة: 197
خطبتين، يفصل بينهما بجلوس، وفعلُ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا تعلق بالقربة وجب الاقتداءُ به؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: 158] 10، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
والجواب: أنه قد اختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله - في أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال في رواية إسحاق بن إبراهيم 11: الأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى الفعل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يفعل الشيء - عليه السلام - على جهة الفضل 12، ويفعل الشيء - عليه السلام -، وهو له خاص.
وظاهر هذا: أنه لا يقتضي الوجوب، فعلى هذا: لا يلزمنا ذلك.
وقال في رواية الأثرم 13: إذا رمى الجمار، فبدأ بالثالثة ثم الثانية ثم الأولى، لم يعجبني، قد فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمار، وسن فيها سنة، وكذلك نقل الجماعة عنه 14: المغمى عليه يقضي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُغمي عليه، ..........................................
الجزء: 3 - الصفحة: 198
فقضى 15. وهذا يدل على أن أفعاله - عليه السلام - على الوجوب؛ لأنه 16 جعلها حجة في ترتيب الجمار، وفي حق المغمى عليه، فعلى هذا: إطلاقها يقتضي الوجوب، ويجوز أن يحمل على الندب بدلالة، فنحن نحمل ذلك على الندب.
فإن قيل: فأفعاله - عليه السلام - إذا خرجت مخرج البيان، اقتضت الوجوب بإجماع، وهذا يخرج مخرج البيان بمجمل في القرآن، فاقتضى الوجوب.
قيل له: ويجوز حمله على الندب بدلالة، كما يجوز حمل الألفاظ من الوجوب إلى الندب بدلالة.
واحتج: بأنه ذكرٌ جُعل شرطًا في صحة الصلاة المفروضة، ليس من شرطه القعود، فكان من شرطه القيام مع القدرة عليه؛ دليله: تكبيرة الإحرام، والقراءة.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون شرطًا في صحة الصلاة، ولا يكون من شرطه القيام؛ كالقراءة في صلاة النافلة، وعلى أن تكبيرة الإحرام من شرطها استقبالُ القبلة، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يتقدم الصلاة، أو
الجزء: 3 - الصفحة: 199
نقول: ليس من شرطه استقبال القبلة، أشبهَ الأذان، والإقامةَ، والتسميةَ، والتلبيةَ.
واحتج: بأن الأصل الظهر، وإنما نقلوا عنها إلى الجمعة بشرائط، ولم تقم الدلالة على وجود تلك الشرائط، فيجب أن يكون فرض الظهر باقيًا.
والجواب: أن قد أقمنا الدلالة على وجود شرائطها، فوجب الانتقال عن الظهر إليها، والله أعلم.
160 -