مَسْألَة: صفة صلاة الخوف
إذا كان العدو في غير جهة القبلة، ولم يكونوا مأمونين 1، وكانت صلاتهم ركعتين، أن يفرق الناس طائفتين طائفة تقف خلفه، وطائفة بإزاء العدو، فيصلي بالطائفة التي خلفه ركعة ثم يقوم الإمام ويثبت قائمًا وتفارقه الطائفة، وتنوي الخروج من صلاته؛ لأنه لا يجوز للمأموم أن يسبق الإمام إلا بنية الخروج من صلاته ثم تتم الركعة الثانية، وتسلم وتنصرف إلى وجاه العدو، وتجيء الطائفة التي كانت بإزاء العدو فتحرم خلف الإمام، فيصلي الإمام بها الركعة الثانية، ويجلس الإمام في التشهد وتقوم فتقضي الركعة الثانية ثم يجلسون للتشهد، ويسلم بهم الإمام:
الجزء: 4 - الصفحة: 5
وقد [نص] 2 أحمد - رحمه الله - على هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم 3، وحرب 4، وإبراهيم بن الحارث 5. وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - 6. وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يصلي بالأولى منهما ركعة وسجدتين
الجزء: 4 - الصفحة: 6
ثم تنصرف هذه الطائفة، وتأتي التي بإزاء العدو فتدخل مع الإمام، فيصلي بها ركعة وسجدتين ويتشهد وحده ويسلّم، ثم يقومون فينصرفون إلى مقامهم بإزاء العدو، وتجيء الطائفة الأولى فتقضي ركعة وسجدتين بغير قراءة، وتشهد 7، وتسلم، وتنصرف إلى وجاه العدو، وتأتي الطائفة الثانية فتقضي ركعة وسجدتين بقراءة وتشهد وتسلم 8. وروي عن مالك - رحمه الله - روايتان: إحداهما 9: مثل مذهبنا 10. والثانية - رواها ابن القاسم 11 -: إن الإمام يسلم ولا ينتظر الطائفة الثانية 12. وقال داود - رحمه الله - 13: جميع ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جائز ليس
الجزء: 4 - الصفحة: 7
بعضه بأولى من بعض، وكذلك عنده صلاة العيدين، والخسوف، ونحو ذلك، مما اختلفت الأخبار فيه 14. دليلنا على أبي حنيفة - رحمه الله -: أن الأخبار اختلفت في كيفية صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في حال الخوف، فروى أبو بكر النجاد 15 بإسناده عن شعبة 16 عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد 17 عن أبيه 18 عن صالح بن خوات 19 عن سهل بن أبي خثمة أنه صلى على = أهل الإفك، وصفة أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم -، والإجماع، وإبطال القياس، توفي سنة 270 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (13/ 97).
الجزء: 4 - الصفحة: 8
حسب ما ذهبنا إليه 20.
قال أبو طالب 21: نا أحمد قال: نا محمد بن جعفر 22 قال: نا شعبة عن يحيى بن سعيد 23، وعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر عن صالح ابن خوات عن سهل بن أبي خثمة - رضي الله عنهم -، فأما عبد الرحمن فرفعه، وأما يحيى بن سعيد فذكره عن سهل، وحسبك بعبد الرحمن، وما كان في الأبناء مثل عبد الرحمن نفسه، فقد بيّن أحمد - رحمه الله - أنه صحيح متصل 24. = وصالح هو: ابن خوات بن جبير بن النعمان الأنصاري المدني، قال النسائي: (ثقة)، روى له الجماعة، لم أقف على تاريخ وفاته.
ينظر: تهذيب الكمال (13/ 35)، والتقريب ص 276.
الجزء: 4 - الصفحة: 9
وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الخوف نحو ما ذهب إليه أبو حنيفة 25، فأولى الخبرين ما وافق الكتاب والأصول، وخبرنا موافق لهما، وخبرهم مخالف لها، فأما موافقته لظاهر القرآن: فهو أن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: 102]، والمراد بهذا سجود الطائفة الأولى في الركعة الثانية، بدليل: أنه أضافه إليهم، والصلاة التي يشترك فيها الإمام والمأموم تضاف إلى الإمام والمأموم، ولا تضاف إلى المأموم وحده؛ لأنه تبع ألا ترى أنه قال في أول الآية: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ فأضاف ذلك إليه, ثم قال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فأضاف ذلك إليهما, وهكذا جميع الآية, فلما أضاف السجود إلى الطائفة علم أنها تنفرد بذلك دون الإمام، وليس ذلك إلا السجود في الثانية، وقد أخبر أنها تأتي به وراء الإمام، وعند أبي حنيفة: أنها لا تأتي به وراءه، ولو كان المراد به: سجود الطائفة الثانية لم يضف ذلك إلى المأموم؛ لأنه تبع للإمام فيها، فكان يقول: فإذا سجدت بهم، فلما أضاف ذلك إليهم علم أن المراد به الطائفة الأولى في الركعة الثانية، وعند أبي حنيفة أن الطائفة الأولى لا تفعل الثانية خلف الإمام.
= المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، رقم (4129 و 4131)، وصحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، رقم (842).
الجزء: 4 - الصفحة: 10
ودلالة ثانية من الآية الكريمة: وهو قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ وظاهره يقتضي أن الطائفة الثانية تصلي مع الإمام جميع صلاتها، وعندهم: تصلي مع الإمام النصف.
ودلالة ثالثة من الآية: وهو أن الله تعالى لم يأمر واحدة من الطائفتين بالرجوع إلى موضع الصلاة لإتمام الصلاة، وعلى قولهم: إنها ترجع.
وأما موافقته للأصول ومخالفة خبرهم لها فهو: أن العمل الكثير يبطل الصلاة في حال الاختيار 26، وما يذهبون إليه فهو عمل كثير؛ لأن الطائفة إذا صلت انتظرت فراغ الإمام، وذلك انتظار كثير، ويحصل منها: استدبار القبلة، وسير الدابة، والنزول عنها، وربما احتاج إلى الضرب، والطعن، والتقدم، والتأخر، وربما نجس سلاحه بالدم، وهذه الأشياء تنافي الصلاة.
فإن قيل: مثل هذا جائز في الصلاة في حال العذر، بدليل: أنه إذا سبقه الحدث ينصرف، ويتوضأ، ويعود، ويبني على صلاته 27.
قيل له: عندنا صلاته تبطل 28، ولأن ما ذهبنا إليه فيه تسوية بين الطائفتين من وجهين: أحدهما: أن الإمام يُحرم بالأولة، ويُسلِّم بالثانية،
الجزء: 4 - الصفحة: 11
فيحصل للأولة فضيلة الإحرام، وللثانية فضيلة التحلل، وعلى قولهم: يحرم بالأولة، ولا يسلم بالثانية.
والثاني: أن الطائفة الأولى لما صلَّت مع الإمام حرستها الطائفة الثانية، وهي غير مصلية، فيجب أن تحرسها هذه الطائفة أيضًا، وهي غير مصلية؛ لتساويهما في كمال الحراسة في غير صلاة، وعلى قولهم: تحرسها في الصلاة، فلا تتمكن من كمال الحراسة.
فإن قيل: الثانية حرست الأولى قبل أداء الفرض، وسقوطه عن ذمته، فيجب أن تحرس الأولى الثانية قبل أدائه، وسقوط الفرض عنه.
قيل له: الثانية حرست في غير صلاة، فيجب أن تحرسها الأولى في غير الصلاة، وهذا الاعتبار أولى؛ لأن كونها في غير صلاة أمكن وأبلغ في حراسة، فيجب أن تساويها في ذلك.
واحتج المخالف: بأن ما ذهبنا إليه موافق للكتاب، والسنة، والأصول.
أما موافقته للكتاب فهو: أن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ فأمر الطائفة التي معه بالانصراف عقيب السجدة الأولى، وأنتم تقولون بالسجدة 29 الثانية ثم تنصرف فعدلتم عن الظاهر.
والجواب: أنا قد جعلنا هذا حجة لنا، وبيَّنَّا أن المراد بهذا السجود في الركعة الثانية من الطائفة الأولى من الوجه الذي ذكرنا.
الجزء: 4 - الصفحة: 12
قالوا: وأما موافقته للسنة فهو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" 30، ومخالفنا يزعم أن الطائفة الأولى تخرج عن صلاة الإمام في الركعة الثانية، ولا تأتم به، وقال - عليه السلام -: "لا تختلفوا على إمامكم" 31، وأنتم تقولون: إن الإمام يقوم إلى الثانية ويثبت قائمًا إلى أن تتم الطائفة الأولى صلاتها، وهذا اختلاف عليه.
والجواب: أنه لا إمام له في الركعة الثانية؛ لأنه ينوي الخروج من صلاة الإمام، وعندنا تجوز مفارقة الإمام للعذر، وهذا حال عذر.
وقالوا: وأما موافقته للأصول فهو: أن المأموم في الأصول يفرغ من صلاته مع الإمام أو بعده، فأما أن يفرغ قبله فلا، وعندكم أنه يتم صلاته ويفرغ منها قبل الإمام.
ولأنه ليس في الأصول أنه يشتغل المأموم بالصلاة والإمام قائم يصلي 32، ولأنه قد ثبت أن سهو الإمام يلزم المأموم، ويجوز أن يسهو الإمام بعد فراغ الطائفة الأولى من الصلاة، فلا يلزمهم حكم سهوه،
الجزء: 4 - الصفحة: 13
ولأن الإمام لا ينتظر المأموم، وإنما المأموم ينتظر الإمام.
والجواب عن قولهم: إنه يفرغ من صلاته قبل إمامه، فإنه يجوز لأجل العذر، ألا ترى أن المسبوق في الصلاة إذا استخلفه الإمام فيها أن المأمومين يخرجون قبله ويقوم، هو ويتم باقي صلاته.
وقولهم: ليس في الأصول أن المأموم يشتغل بالصلاة، والإمام قائم يصلي، فلا يصح؛ لأنه لا إمام له في الركعة الثانية لما بينا أنه ينوي مفارقته، وهكذا الجواب عن قولهم: إن سهو الإمام يلزم المأموم، وفي هذا الموضع لا يلزمه، ولأنه قد فارقه في الركعة الثانية، فلهذا لم يلزمه.
وقولهم: إن الإمام لا ينتظر بل ينتظر فغير صحيح؛ لأنه يجوز للإمام أن ينتظر المأموم على أصلنا إذا أحس بداخل معه وهو راكع حتى يدرك مع الركوع.