مَسْألَة: الجنب إذا قتل شهيدًا غسل:
نص عليه في رواية حرب في الشهيد يقتل وهو جنب؟ قال: يغسل غسلًا واحدًا.
وبه قال أبو حنيفة رحمه الله.
وقال مالك، والشافعي رحمهما الله: لا يغسل.
دليلنا: ما روي أن حنظلة بن أبي عامر - رضي الله عنه - قتل فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أهله فقال: "ما شأن حنظلة فإني رأيت الملائكة تغسله؟ " قالوا: خرج جنبًا، رواه محمد بن إسحاق في المغازي بإسناده عن قتادة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن صاحبكم لتغسله الملائكة - يعني حنظلة - فاسألوا أهله
الجزء: 4 - الصفحة: 203
ما شأنه؟ " فسألت صاحبته 1 فقالت: خرج وهو جنب حيث سمع الهائعة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لذلك غسلته الملائكة"، فلو لم يجب غسله لما غسلته الملائكة كما لم تغسل [ ... ] 2 الشهداء.
فإن قيل: يجوز أن تكون الملائكة غسلته تشريفًا له.
قيل له: ليس في غسل الشهيد تشريف له، بل تشريفه في ترك الغسل، على أن محمد بن إسحاق قد روى فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لذلك غسلته الملائكة" يعني للجنابة.
فإن قيل: الخلاف في غسل الآدميين وليس في الخبر بيان ذلك.
قيل له: غسلته الملائكة، وكفنته، ودفنته وقالت: "هذه سنة موتاكم يا بني آدم"، ولم يأمر ولده بإعادة غسله، فدل على أن غسل الملائكة قائم مقام غسلهم.
فإن قيل: ليس في الخبر أن الملائكة غسلته، وإنما المحفوظ أنها صلت عليه.
قيل: ذكر إسحاق بن بشر القرشي في كتاب المبتدأ: أن جبريل والملائكة عليهم السلام غسلته وحنطته وكفنته، وكبر جبريل - عليه السلام - عليه أربعًا ثم التفت إلى بني آدم وقال: "هذه سنتكم في الموت،
الجزء: 4 - الصفحة: 204
فافعلوا بموتاكم مثل ما رأيتمونا صنعنا بأبيكم".
ويدل عليه أيضًا أنه لما مات سعد بن معاذ - رضي الله عنه - خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسرع في المشي، فقيل له في ذلك، فقال: "خشيت أن تسبقنا الملائكة إلى غسله كما سبقتنا إلى غسل حنظلة"، وهذا يدل على أن الملائكة لو لم تغسل حنظلة لغسله النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن غسلها قام مقام غسله.
ويدل أيضًا على أن الملائكة لو سبقته إلى غسل سعد سقط فرض الغسل؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما بادر إلى غسله؛ لأنه عليه السلام كان يلزمه غسله بعد غسل الملائكة.
ولأن غسل الميت في الأصل سنة، فكان القياس أن يغسل الشهيد إلا أنا تركنا القياس في الشهيد إذا لم يكن جنبًا للاتفاق، وحملنا الجنب على موجب القياس.
ولأنه قتل وعليه واجب قبل القتل، فلا يقوم القتل مقام الغسل، دليله: لو قتل وعليه نجاسة.
ولا يلزم عليه إذا قتل محدثًا؛ لقولنا قبل: وعليه غسل واجب، والحدث الأصغر لا يوجب الغسل.
ولا يلزم عليه إذا قتلت وهي حائض أو نفساء؛ لأنها إن قتلت بعد انقطاع الدم فإنها تغسل، وإن قتلت قبل انقطاعه لم تغسل؛ لأن الحائض والنفساء لا يجب عليها الغسل إلا بالانقطاع، وانقطاعه يحصل بالموت، وإذا كان كذلك لم يكن عليها غسل واجب قبل القتل، فلم يجب غسلهما
الجزء: 4 - الصفحة: 205
بعد القتل كسائر الشهداء.
ونظير مسألتنا: أن يقتل بعد انقطاع الدم من الحيض والنفاس، فإنا نقول: تغسل كالجنب إذا قتل.
وإن شئت قلت: حدث الجنابة يمنع المكث في المسجد فلم يسقط وجوب غسله بالموت، دليله: النجاسة ولا يلزم عليه الحدث الأصغر؛ لأنه لا يمنع المكث في المسجد، ولا يلزم عليه إذا قتلت حائضًا أو نفساء، لقولنا: فلم يسقط وجوب غسله، وهنا ما وجب الغسل قبل القتل؛ لأنه إنما يجب بالانقطاع.
فإن قيل: من أصحابنا من قال: تسقط إزالة النجاسة كما تسقط الطهارة من الحدث.
قيل له: ليس هذا قول يعول عليه، فلا يلتفت إليه.
فإن قيل: قولك: قتل وعليه غسل واجب لا تأثير له في النجاسة؛ لأنه لا فرق بين أن تكون وجبت في حال حياته أو أصابته النجاسة بعد موته في وجوب الإزالة.
قيل: له تأثير في غير الجنب إذا قتل شهيدًا.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الشهيد لا يغسل"، وهذا عام.
والجواب: أنا نخصه ونحمله على غير الجنب، بدليل ما ذكرنا.
واحتج: بأنه مسلم مات في معترك المشركين بسبب من أسباب
الجزء: 4 - الصفحة: 206
القتال، فوجب أن لا يغسل قياسًا على غير الجنب.
والجواب: أن غير الجنب لم يكن عليه غسل واجب قبل القتل، فقام القتل مقام الغسل الواجب بالموت، وليس كذلك الجنب إذا قتل؛ لأنه كان عليه غسل واجب قبل القتل، فلا يقوم القتل مقام الغسل كما لو قتل وعليه نجاسة.
واحتج: بأن الغسل في الجنابة طهارة من حدث فوجب أن يسقط بالشهادة، أصله غسل الحيض والنفاس والوضوء، وربما قالوا: طهارة ينوب عنها التيمم، ولا يلزم عليه غسل النجاسة؛ لأنها ليست عن حدث، ولا ينوب عنها التيمم.
والجواب عن الحائض والنفساء: أنها إن قتلت بعد انقطاع الدم فإنها تغسل كما قلنا في الجنب، وإن قتلت في خلال الدم لم تغسل؛ لأن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الغسل إلا بعد الانقطاع، ويحصل انقطاعه بالموت، فإذا كان كذلك لم يكن عليها غسل واجب قبل القتل، فلم يجب غسلها بعد القتل كسائر الشهداء.
ونظير مسألتنا: أن تقتل بعد انقطاع دم الحيض والنفاس، فإنا نقول: إنها تغسل كالجنب إذا قتل.
فإن قيل: الغسل يجب بخروج الدم لا بانقطاعه؛ لأن الانقطاع لم يخرج منها شيئًا، ولا يجب أن يكون ذلك موجبًا للغسل، ويدل على ذلك أن خروج البول هو الموجب للطهارة.
الجزء: 4 - الصفحة: 207
قيل له: لو كان الغسل يجب بالخروج لوجب أن يصح الغسل مع بقاء الحيض ومع بقاء جريان البول وسائر الأحداث الجارية، ولأن الغسل من الحيض لا يراد لنفسه وإنما يراد للصلاة، فإذا لم تكن الصلاة واجبة عليها قبل الانقطاع التي هي المقصودة فأولى أن لا تجب كالإغماء في الطهارة.
وأما الوضوء فالمعنى فيه أن الموت يوجب الحدث، فجاز أن يقوم القتل مقام الغسل الواجب به ولا يوجب الجنابة كما لا يوجب ثبوته النجاسة.
فإن قيل: فقد قال سعيد بن المسيب، والحسن البصري - رضي الله عنهم -: الميت غسل لجنابته؛ لأنه يجنب بالموت، وقال عبد الله بن الحسن [ ... ] 3: الروح نطفة.
وهذا يدل على أن الموت يوجب الجنابة، فيجب أن يقوم القتل مقام الغسل.
قيل له: يجب أن يقال: إن الموت موجب للحدث؛ لأنه زوال عقل فهو كالإغماء، ولا يوجب الغسل؛ لأنه زوال عقل، وذلك لا يوجب الغسل، والإغماء لا يوجب الغسل.
يبين صحة هذا: أن الجنابة تكون مع قوة الشهوة والحواس، ولأن خروج المني على غير هذا الوجه لا يوجب الغسل.
الجزء: 4 - الصفحة: 208
واحتج: بأن القتل على وجه الشهادة يقوم مقام الغسل، وغسل واحد يسقط ما وجب قبل ذلك وإن اجتمعت أسباب كثيرة، ألا ترى أنها لو كانت حائضًا ثم أجنبت فاغتسلت أجزأها غسل واحد.
قيل له: القتل على وجه الشهادة يقوم مقام الغسل الواجب بالموت، فأما غسل وجب قبله فلا، فلم يثبت أنه يقوم مقامه، وعلى أن القتل لا يسقط الغسل، وإنما يمنع وجوبه بالموت، والغسل الواجب بالجنابة كان واجبًا قبل الموت فلا يجوز أن نقول: إنه يمنع وجوبه، وقد وجب قبل ذلك، والله أعلم.
58 -