مَسْألَة: المستحب أن يغسل الميت في قميص:
نص عليه في رواية المروذي فقال: يعجبني أن يغسل الميت وعليه ثوب يدخل يده من تحت الثوب، كذا يروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل وعليه ثوب.
وبه قال الشافعي - رضي الله عنه -.
وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: يغسل الميت مجردًا، ويطرح على عورته خرقة.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عبد الله بن الحارث بن نوفل أن علي بن أبي [طالب] 1 - رضي الله عنه - غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيد علي خرقة يتبع بها من تحت القميص.
وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: غُسِّل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قميصه.
الجزء: 4 - الصفحة: 143
وهذا يدل على أن الأفضل ذلك؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم فعلته.
فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مخصوصًا بذلك، يدل عليه ما روى ابن بطة بإسناده عن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: لما أرادوا غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: والله ما [ندري أ] 2 نجرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: اغسلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم.
فوجه الدلالة: أنهم قالوا: ما ندري أنجرده كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه.
فدل على أن السنة في حقهم ذلك.
قيل له: أما قولكم: إنه كان مخصوصًا، فيحتاج إلى دليل؛ لأن الظاهر إنما فعله فهو شرع لأمته ما لم يرد دليل التخصيص، وعلى أنه قد روي عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - لما حضره الموت قال: إن أنا مت فاصنعوا بي كما صنع بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو مخصوص بذلك.
وإن قولهم: لا ندري أنجرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما نجرد موتانا، معناه:
الجزء: 4 - الصفحة: 144
لا ندري نتخير في تجريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما نتخير في تجريد موتانا أو لا نتخير ونعزم على غسله من غير تجريد؛ لأن على قولنا: إنه يجوز التجريد، ويجوز غيره، وإنما الخلاف في الأفضل، فكان الأفضل في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك التجريد بلا تخير.
ولأنه غسل ميت فاستحب أن يكون من فوق ثوب، دليله: غسل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولأنه بالموت يصير جميع بدنه في حكم العورة، بدليل أنه يستر موضع غسله، ولا ينظر الغاسل ولا من يعينه إلا ما لا بد لهم منه، ولهذا يدَّعى 3 أنه في حكم العورة من جميع الجهات، وإنما ادعينا ذلك في بعض الأحكام فكان الاحتياط مواراته.
واحتج المخالف: بأنه غسل مأمور به فالمستحب أن يكون مجردًا، كالغسل من الجنابة.
والجواب: أن غسل الميت لا يشبه الحي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل من الجنابة متجردًا، و 4 غسل بعد موته في القميص.
ولأن الجنب يخلو بنفسه، فيجوز أن يتجرد ويغتسل، والميت يشاهده غيره، فيجب أن يُغسل في قميصه ليكون أستر له.
الجزء: 4 - الصفحة: 145
38 -