مَسْألَة: إذا أقام المسافر في بلد لحاجة ينتظر قضاءها (1)، يقول: اليوم أخرج، أو غدًا أخرج، فله أن يقصر أبدًا:
1 = والمصراة: أصل الصَّرّ: الجمعُ والشدُّ، فلا تُحلب المصراة أيامًا حتى يجتمع اللبن في ضَرْعها.
ينظر: النهاية في غريب الحديث (صرا)، ولسان العرب (صرر).
الجزء: 3 - الصفحة: 20
نص عليه في رواية محمد بن الحسن بن هارون 2 3، والمروذي (2): إذا قال: أخرجُ اليوم، أخرجُ غدًا، فأقام على ذلك شهرًا: يقصر.
وبهذا قال أبو حنيفة 4، ومالك 5 - رحمهما الله -.
وللشافعي - رحمه الله - قولان: أحدهما: مثل هذا، والثاني: يقصر إلى سبعة عشر، أو ثمان عشرة، إلا أن ينوي الإقامة فيما دونه 6، فيلزمه الإتمام 7.
دليلنا: ما روى أبو بكر قال: نا محمد بن عثمان 8 قال: نا الحسن بن صالح 9 قال: نا عبد الرزاق قال: نا معمر عن يحيى بن أبي كثير،
الجزء: 3 - الصفحة: 21
عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر - رضي الله عنه - قال: أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة 10.
فان قيل: هذا مرسل؛ لأن أبا داود قال: غيرُ معمر يرسله عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أنه قال: أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قيل له: قد رويناه متصلًا عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية جعفر بن محمد 11: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، وهذا يدل على صحة الحديث؛ لأن أحمد - رحمه الله - احتج به.
فإن قيل: يحتمل أن يكون جابر احتسب اليوم الذي يدخل فيه إلى الموضع، واليوم الذي خرج منه، فيكون عشرين يومًا، ونحن لا نحسب هذين اليومين من المدة.
= ولم أجد هذا الاسم ممن يروي عن عبد الرزاق.
ينظر: تهذيب الكمال (18/ 52)، ولم أجد محمد بن أبي شيبة يروي عن أحد باسم: الحسن بن صالح.
ينظر: تاريخ بغداد (3/ 42). فلعله خطأ.
الجزء: 3 - الصفحة: 22
قيل له: قوله: أقام عشرين، يقتضي عشرين يومًا كاملة، هذا هو الحقيقة، ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -. روى النجاد بإسناده عن نافع: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين ركعتين 12. وروى أيضًا بإسناده عن ليث عن عامر - رضي الله عنه - قال: جاورت مع ابن عمر - رضي الله عنهما - ثمانية أشهر، أو عشرة بالمدينة، فسألته: كم أصلي؟ قال: إذا كنت وحدك، فصل ركعتين، وإذا صليت في جماعة، فائتمَّ بصلاتهم 13. وروى أيضًا بإسناده عن أنس - رضي الله عنه -: أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقاموا برامهرمز 14 تسعة أشهر يقصرون الصلاة 15. وروى بإسناده عن عبد الرحمن بن مسور قال: كنا مع سعد بن مالك بالشام شهرين، فكان سعد - رضي الله عنه - يقصر الصلاة، ونحن نتم، فذكرنا ذلك له، ...........................................
الجزء: 3 - الصفحة: 23
فقال: نحن أعلم 16.
وبإسناده عن الحسن عن أنس - رضي الله عنهما -: أنه أقام بسابور سنتين يُصلي بالناس ركعتين، ثم يسلم 17.
ورُوي: عن عبد الرحمن بن سمرة - رضي الله عنه -: أنه أقام بسجستان 18 سنتين يقصر 19. وهذا إجماع منهم.
فإن قيل: يجوز أن يكونوا هؤلاء ينتقلون من موضع إلى موضع من تلك الناحية.
قيل له: قوله: جاورت مع ابن عمر - رضي الله عنهما - بالمدينة ثمانية أشهر، وهذا يقتضي نفس البلد؛ لأن غيرها لا يقع عليه هذا الاسم، وكذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 24
قوله: أقاموا برامهرمز تسعة أشهر؛ لأن ذلك اسم للبلد، وكذلك: أقاموا بسابور، وكابل، هذا اسم للبلد.
فإن قيل: فقد رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه قال: من أقام سبعة عشر، قصر، ومن أقام أكثر، أتم، هكذا رواه أبو داود 20، وإذا كان كذلك، حصلت المسألة خلافًا في الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -.
قيل له: يحتمل أن يكون من مذهب ابن عباس: أن من عزم على إقامة سبعة عشر، قصر، وإن عزم على إقامة أكثر، أتم، وليس الخلاف فيمن نوى مدة بعينها، فخبرُ ابن عباس - رضي الله عنهما - محمول على ذلك، ولأنه مسافر لم يوطّأ منه نية الإقامة في مدة يصح أن يكون فيها مقيمًا، فله أن يقصر؛ قياسًا عليه إذا أقام ثمانية عشر يومًا، ولأن له أن يقصر سبعة عشر، أو ثمانية عشر، فله أن يقصر أكثر؛ دليله: إذا لم يكن مقيمًا في بلد، وكان
الجزء: 3 - الصفحة: 25
مسافرًا، ولم ينو الإقامة في بلد.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101].
والجواب: أنه محمول على من عزم على الإقامة مدة بعينها؛ بدليل ما تقدم.
واحتج: بأن الأصل الإتمام، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -. 21: أنه أقام بمكة ثمانية عشر يومًا، فكان يصلي ركعتين، وما زاد على ذلك، فيجب أن يكون باقيًا على الأصل؛ كما نقول في مدة المسح على الخفين.
والجواب: أنا قد روينا عنه - عليه السلام -: أنه أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر 22، وروينا عن 23 جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم -، ..............
الجزء: 3 - الصفحة: 26
على أن هذا قد انتقل عن الأصل، وصار فرضه القصر، فلم يلزمه الإتمام إلا بدليل.
واحتج: بأن من ليس له الجمع بين الصلاتين ليس له أن يقصر؛ قياسًا على المقيم.
والجواب: أنا لا نسلِّم هذا، بل له الجمع، وعلى أنه لا يجوز اعتبار من لم ينو الإقامة أصلًا بالمقيم، ألا ترى أن من لم ينو الإقامة فيما دون السبعة عشر، أو ثمانية عشر عنده، لا يجوز اعتباره بالمقيم؟ كذلك (1)، والله أعلم.
127 -