مَسْألَة: يصلي الإمام بالناس صلاة الاستسقاء ركعتين:
نص عليه في رواية حنبل فقال: يصلي ركعتين مثل صلاة العيد، ويبدأ بالصلاة قبل الخطبة.
وهو قول مالك، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد، وداود رحمهم الله.
وقال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة، ولكن يخرج الإمام فيدعو.
قال الرازي: معناه: ليس فيه صلاة مسنونة ولا واجبة.
ومعنى معناه: أن يكره أن تصلى، كما قالوا: التعريف ليس بشيء.
ومعناه ليس بشيء مسنون.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عباد بن تميم عن عمه - رضي الله عنهما - قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما، وحول رداءه، ورفع يديه، واستسقى، واستقبل القبلة.
وروى أحمد رحمه الله - ما ذكر النجاد - قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر حدثنا أنه سمع عباد بن تميم يحدث أباه 1 عن
الجزء: 4 - الصفحة: 115
عمه عبد الله بن زيد الذي أُرِي النداء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج يستسقي، واستقبل القبلة، وقلب رداءه، وصلى ركعتين.
وروى أحمد رحمه الله - ذكره النجاد - قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم قال: حدثني أبي قال: سمعت نعمان بن راشد يحدث عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستسقي يومًا، فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطب، ودعا الله تعالى، وحول وجهه نحو القبلة رافعًا يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن.
وروى النجاد بإسناده عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استسقى فصلى قبل أن يستسقي.
وروى النجاد بإسناده عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: بعثني مروان إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - فسألته عن سنة الاستسقاء؟ فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: سنة الاستسقاء سنة العيدين إلا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر التكبير في الاستسقاء، وأنه كبر سبع تكبيرات في الأولى، وفي الثانية خمس تكبيرات.
وفي لفظ آخر رواه بإسناده عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة عن أبيه قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - أسأله عن الصلاة في الاستسقاء؟ فقال ابن عباس: ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متخشعًا متبذلًا متضرعًا فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين ثم خطب خطبة ذكرها.
الجزء: 4 - الصفحة: 116
وروى النجاد بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: شُكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قحط المطر، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقعد على المنبر، ثم نزل فصلى.
وروى أيضًا بإسناده عن صالح مولى التوأمة عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ثم خطب، وحول رداءه، واستقبل القبلة.
وهذه الأخبار نصوص في المسألة.
فإن قيل: يحمل ذلك على الجواز.
قيل له: إن ابن عباس - رضي الله عنهما - صرح بأنه سنة الاستسقاء، ولأن السنة ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد استسقى بالصلاة، فيجب أن يكون هو السنة.
ولأنه قد سن الاجتماع، والدعاء لطلب الحاجة، فوجب أن تكون الصلاة مسنونة قياسًا على الكسوف.
ولأن 2 أعم ضررًا من الكسوف؛ لاتصاله بضرر أقوات الآدميين والبهائم، واتفقوا على [أن] الصلاة للكسوف مسنونة، فلانقطاع المطر وحدوث الجذب والقحط أولى.
واحتج المخالف: بما روي عن أنس - رضي الله عنه -: أنه أصاب أهل المدينة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قحط، وروى: أصاب الناس سنة فبينما
الجزء: 4 - الصفحة: 117
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل، وروى: وأجدبت الأرض، وروى: هلك المال، وجاع العيال، فادع الله أن يسقينا، فمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده ودعا، فقال أنس: وإن السماء كمثل الزجاجة ليس فيها قزعة، فهاجت ريح، وثارت سحابة كأنها جبل، وأرسلت السماء غزائلها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، فلم تزل تمطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله هدمت البيوت، وتقطعت السبل، فادع الله أن يحبسها، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومد يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، وروى "على الآكام ومنابت الشجر" فتقشعت السماء حتى صارت كالإكليل حول المدينة.
فوجه الدلالة: أنه اقتصر على الدعاء، ولم يصل، فلو كانت مسنونًا لما تركها.
والجواب: أن تركها في هذه الحال لا يدل على أنها ليست مسنونة؛ لأن ترك المسنون يجوز، ولأنه تركها لعذر، وهو أنه كان يخطب للجمعة في تلك الحال.
وعلى أن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن [شريك بن] 3 عبد الله بن أبي نمر عن أنس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى فاستقبل القبلة، وقلب رداءه، وصلى ركعتين.
الجزء: 4 - الصفحة: 118
واحتج بما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه استسقى بعم النبي - صلى الله عليه وسلم - العباس - رضي الله عنه - فقال: اللهم هذا عم نبيك نتوسل به إليك، وما زاد على الاستغفار، وقيل له في ذلك فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها الغيث، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: 10، 11]، فلو كان هناك صلاة مسنونة لما تركها عمر - رضي الله عنه -.
والجواب: أن هذه حجة لنا؛ لأن القوم خاطبوه في ذلك، وهذا مطالبة منهم بالصلاة، فدل على أنه كان مشهورًا بينهم، ولكن تركه واقتصر على الدعاء؛ لأنه يجوز ذلك.
وقد روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن جده فقال: رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج يستسقي، فكبر وصلى ركعتين بالناس، ثم خطب، ثم استقبل القبلة، ورفع يديه مدًا، وحول رداءه، وأنا في الصف الرابع، وإني لأسمع تسبيح عمر - رضي الله عنه -.
وروى أيضًا عن عروة بن أذينة عن أبيه قال: رأيت عثمان - رضي الله عنه - استسقى بالمصلى فرأيته صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة، ثم خطب الناس، ثم حول وجهه إلى القبلة، ورفع يديه، وحول رداءه، فجعل اليسار على اليمين واليمين على اليسار.
وهذا يدل على أنه كان مشهورًا بينهم الصلاة.
واحتج: بأنه لا خلاف أنه ليس في الزلازل، والرياح، والعواصف، وكثرة الأمطار، صلاة مسنونة، والمعنى فيه خوف الضرر منها في الدنيا،
الجزء: 4 - الصفحة: 119
وهذا المعنى موجود في مسألتنا، ولا يلزم عليه الكسوف، ولأنه لا يخاف منه الضرر في الدنيا، وإنما فيه تذكير لأمر الآخرة؛ لأن من علامات الآخرة، [كثرة] (1) الجدب والقحط، فإنه يخاف منه ضرر في الدنيا كالزلازل والرياح والعواصف.
والجواب: أن أحمد رحمه الله قال في رواية إسماعيل بن سعيد: يُصلى جماعة لكسوف الشمس، والقمر، والزلزلة، ثمان ركعات وأربع سجدات، وهذا يدل على [أن] (2) الأصل غير مسلم، وأنه يستحب الصلاة لأجل ذلك؛ لما فيه من خوف الضرر منها في الدنيا، فهو كصلاة الاستسقاء؛ لما فيها من خوف الضرر في الدنيا.
وقد روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن البصرة زلزلت، فقام ابن عباس - رضي الله عنهما - فقرأ ثم ركع ثم قام، فقال أحدهما: قرأ، وقال الآخر: دعا، فصلى ست ركعات في ركعة ثلاث ركوعات، وهذا يدل على أنه كان مشهورًا بينهم، وعلى أن هذا الاعتبار يبطل بالكسوف، فإنه يخاف منها الضرر، والله تعالى أعلم.
32 -