مَسْألَة: إذا صلى في سفينة سائرةٍ (1) صلاةَ الفرض قاعدًا، وهو قادر على القيام، لم تجزئه صلاته:
نص عليه أحمد - رحمه الله - في رواية جعفر 2: في رجل صلى1
الجزء: 2 - الصفحة: 312
في السفينة قاعدًا، فعليه الإعادة، وقال في رواية أبي داود 3: أَحَبُّ إليّ أن يعيد.
وقال مالك 4، والشافعي 5، وأبو حنيفة 6 - رضي الله عنهم -: تجزئه صلاته، إلا أن تكون واقفة، فيجب عليه القيام، فإن صلى جالسًا، يعيد عنده.
دليلنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين - رضي الله عنه -: "فإن لم تستطع، فقاعدًا" 7، وهذا عام في السفينة وغيرها.
وروى أبو بكر من أصحابنا في كتابه بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن يصلوا في السفينة قيامًا، إلا أن يخافوا الغرق 8. = (5/ 19)، وللفائدة ينظر: مسائل صالح رقم (1026)، ومسائل عبد الله رقم (311)، ومسائل الكوسج رقم (375)، ومسائل ابن هانئ رقم (412) والإرشاد ص 88، وبدائع الفوائد (4/ 1491).
الجزء: 2 - الصفحة: 313
وروى الساجي، والدارقطني 9 عن ابن عمر، وابن عباس - رضي الله عنهم -: أنهما قالا: لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى الحبشة، فقال: يا رسول الله! كيف أصلي في السفينة؟ قال: "صلِّ قائمًا، إلا أن تخاف الغرق" 10.
وهذا نص.
فإن قيل: يحمل هذا في حال وقوفها.
قيل: لا يصح؛ لأنه أمره بالقيام إلا أن يخاف الغرق، وإنما يخاف الغرق في حال السير، فأما في حال وقوفها، فلا، والقياس: أنه مستطيع للقيام من غير مشقة، ولا متابعة، ولا كشف عورة في صلاة مفروضة، فلا يجوز له تركه، أصله: إذا لم يكن في السفينة، وفيه احتراز من المريض، وإذا خاف الغرق، ومن المأموم إذا صلى إمامه جالسًا، ومن العريان، وإن شئت قلت: مستطيع للقيام من غير مشقة، فلزمه، كما لو لم يكن فيها، ولا يلزم عليه العريان، والمؤتم بالقاعد؛ لأنه يستوي = باب: التأمين، رقم (1019)، وقال: (شاذ بمرة)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: القيام في الفريضة، وإن كان في السفينة مع القدرة، رقم (5489 و 5491)، وينظر: علل الدارقطني (13/ 475)، والتنقيح لابن عبد الهادي (2/ 117).
الجزء: 2 - الصفحة: 314
فيه الأصل والفرع، وكل من لزمه فرض القيام في غير السفينة لزمه في السفينة؛ كما لو كانت 11 مربوطة، ولأنه فعل من أفعال الصلاة، فوجب أن لا يسقط بفعل الصلاة في سفينة سائرة؛ دليله: أفعال الصلاة.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم" 12، فأثبتها صلاة، ولم يفرق.
والجواب: أن هذا محمول على صلاة النافلة؛ بدليل ما تقدم.
واحتج: بما رُوي عن ابن سيرين 13 قال: خرجنا مع أنس بن مالك - رضي الله عنه - إلى يثق سيرين 14، حتى إذا كنا بدجلة 15، حضرت الصلاة،
الجزء: 2 - الصفحة: 315
فصلى بنا أنس قاعدًا على بساط السفينة، وإن السفينة لَتُجَرُّ جرًّا، ولو شئنا، لخرجنا إلى الجُدّ 16. وروى أبو يوسف عن حصين 17 بن عبد الرحمن 18، عن مجاهد قال: كنا مع جُنادة 19 بن أبي أمية في البحر، فكنا نصلي قعودًا نتحرى
الجزء: 2 - الصفحة: 316
القبلة في السفينة 20 21.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون خافوا الغرق، فصلوا جلوسًا، ونحن نجيز ذلك، وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية أحمد بن الحسين - رحمه الله - 22: يصلي في السفينة قائمًا إلا أن [لا] 23 يستطيع، أو لعل السفينة تكفأ.
وأما حديث أنس - رضي الله عنه -، فظاهره يقتضي أنهم كانوا يأمنون ذلك؛ لأنه قال: كنا نجرُّها جرًا، ولكن يحتمل أن يكون صلى بهم صلاة النافلة.
فإن قيل: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أن صلاة النافلة لا تصلى جماعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 317
والثاني: قال: (فلما حضرت الصلاة)، وهذا يقتضي الصلاة التي لها وقت، وهي صلاة الفرض.
قيل: أما قولك: إن صلاة النافلة لا تصلى جماعة، فغير صحيح؛ لأن عتبان بن مالك - رضي الله عنه - قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وددت بأنك تأتيني فتصلي في بيتي مكانًا أتخذه مصلًّى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سأفعل"، فغدا عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر بعد ما امتد النهار، فاستأذن عليّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: "أين تحب أن أصلي لك من بيتك؟ "، فأشرت إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكبر، وصففنا وراءه، فركع ركعتين، ثم سلَّم، وسلَّمنا حين سلَّم 24.
وروى الدارقطني بإسناده 25 عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى في بيته سُبْحَة 26 الضحى، فقاموا وراءه، فصلوا 27.
الجزء: 2 - الصفحة: 318
وروى أبو بكر بإسناده عن أنس - رضي الله عنه -: أن جدته - رضي الله عنها - دعت النبي - صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قوموا فلنصلِّ بكم"، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ، فنضحته بماء، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصففت أنا ويتيم من ورائه، والعجوز من ورائنا 28.
وروى ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه بات عند خالته ميمونة - رضي الله عنها -، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل، فقمتُ عن يساره، فأدارني عن يمينه 29.
وأما قولهم: إن الخبر يقتضي صلاة لها [وقت] 30، فلا يصح أيضًا؛ لأن من التطوع ما هو مؤقت، فإذا دخل وقتها، يقال: حضرت، ألا ترى أن صلاة الضحى لا تصلَّى إلا في الضحى، فإذا دخل وقتها، فقد حضرت صلاة الضحى.
واحتج: بأن فرض القيام لم يثبت في الأصول إلا في حال الاستقرار، ألا ترى أن الراكب في الحال التي يجوز فيها الصلاة راكبًا، ليس عليه فيها فرض القيام؛ لأجل عدم الاستقرار؟ فلما جازت الصلاة = على صحته).
ينظر: شرح السنة (4/ 136)، قال الهيثمي في المجمع (2/ 235): (رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح).
الجزء: 2 - الصفحة: 319
في السفينة - وهي سائرة -، دل على أنه ليس فرض القيام إليها، وربما قالوا: كل صلاة جاز أداؤها في حال السير، فإن فرض القيام يسقط فيها في تلك الحال؛ دليله: الصلاة على الراحلة.
والجواب: أنا لا نسلم أن القيام لم يثبت في الأصل إلا في حال الاستقرار، بل يثبت في حال القدرة من غير مشقة، ولا متابعة، ولا كشف عورة، والموضع الذي ذكروا من صلاة النافلة، فلم يسقط هناك القيام لعدم الاستقرار، لكن لعدم الفرض، ألا ترى أنه يسقط القيام فيها في حال الاستقرار؟ وها هنا هي صلاة مفروضة.
واحتج: بأنه إذا قام في السفينة يدور رأسه، فيكون ذلك عذرًا في ترك القيام.
والجواب: أن أبا حنيفة - رحمه الله - 31: لا يعتبر العذر، ولا دوران الرأس، وإنما نحن نعتبر العذر، فلم يصح ما قاله.
واحتج: بأن القيام إنما يجب بالشرع، وقد أجمعنا على وجوبه في حال الاستقرار، واختلفنا على وجوبه في حال السير، وليس هناك شرع يوجبه، فلم يجز ادعاء وجوبه.
والجواب: أن كل شرع ورد في وجوب القيام في الصلاة الفريضة، فهو عام في سائر الأحوال؛ من حال الاستقرار، وحال السير، فمن ادعى تخصيصه، فإنه يحتاج إلى إقامة دليل، ألا ترى أن وجوب القيام أُخِذَ
الجزء: 2 - الصفحة: 320
من قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، وحديث عمران بن حصين - رضي الله عنه -: "صل قائمًا، فإن لم تطق، فجالسًا" (1)، وهذا عام في سائر الأحوال، وعلى أنا قد دللنا على ذلك من وجوه الشرع بحديث جعفر بن محمد - رضي الله عنهما - (2)، وبالقياس، ثم نقابل هذا الاستصحاب بمثله، فنقول: أجمعنا على أن ذمته قد اشتغلت بفرض الصلاة، فإذا صلاها من قعود، فقد اختلفنا في براءة ذمته، فمن ادعى براءتها بعد اشتغالها وارتهانها، فعليه الدليل، والله أعلم.
101 -