مَسْألَة: الركبة ليست بعورة:
هذا ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - في رواية عبد الله: إذا صلى وفخذه مكشوفة، يعيد، فقيل له: ما حده؟ قال: فوق الركبة 1. وكذلك قال في رواية المروذي: العورة من أسفل السرة إلى فوق الركبة 2، فجعل العورة من فوق الركبة وأسفل السرة، وبهذا قال الشافعي - رحمه الله - 3. وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: الركبة عورة، والسرة ليست من العورة 4. دليلنا: ما تقدم من حديث أبي أيوب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة" 5. فإن قيل: هذا يدل على أن ما بينهما عورة، ونحن نقول ذلك، وليس فيه أن ما عداه ليس بعورة.
الجزء: 1 - الصفحة: 137
قيل له: هذا غير صحيح؛ لأنه لا يجوز أن يقول: ما فوق الركبة من العورة، وعنده: الركبة من العورة، كما لا يجوز أن يقول: ما فوق نصف الفخذ من العورة، وعنده: أن جميع الفخذ من العورة، بل يكون هذا لغوًا من الكلام.
وأيضًا: ما روى الدارقطني 6 بإسناده 7 عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده 8 - رضي الله عنهم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مُروا صبيانَكُم بالصلاة
الجزء: 1 - الصفحة: 138
لسبع، واضربوهم عليها لعَشْر، وفرقوا بينهم في المضاجع، وإذا زَوَّج أحدُكم عبدَه، أو أَمَته، أو أَجيره، فلا تنظر الأمة إلى شيء من عورته؛ فإن ما تحت السرة إلى ركبته من العورة"، وفي لفظ آخر: "فإن ما بين سرته وركبتيه من عورته" 9.
فجعل الركبة غاية، فلا تدخل في الحد؛ كقوله: ما بين هذا الحائط إلى هذا الحائط، لا يدخل الحائطان فيه.
فإن قيل: الغاية قد تدخل في الجملة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]، وأجمعنا على دخول المرافق في ذلك.
قيل له: إنما أوجبنا غسلَ المرافق بالسنة؛ لأن الظاهر اقتضى ذلك.
والقياس: أن الركبةَ جُعِلت حدًا للعورة، فوجب أن لا تدخل.
دليله: السرة.
= البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا، يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين، قال البخاري: فمن الناس بعدهم؟ ! وقد استبعد الذهبي أن يكون هذا من كلام البخاري، قال ابن حجر: صدوق، مات سنة 118 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (5/ 165)، وتهذيب التهذيب (3/ 277)، والتقريب ص 465. وأما شعيب بن محمد، فهو: صدوق ثبت.
ينظر: التقريب ص 272. وأما محمد، فهو: مقبول.
ينظر: التقريب ص 545.
الجزء: 1 - الصفحة: 139
واحتج المخالف: بما روى عقبة بن علقمة 10 قال: سمعت عليًا - رضي الله عنه - يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الركبة من العورة" 11.
الجواب: أن عقبة ضعيف، لا يثبته أهل الحديث، ولا يحتج بحديثه، على أنا نحمل قوله: "الركبة من العورة"، معناه: مقارب العورة 12، قد يعبّر عن الشيء بما قاربه، ويكون القصد بهذا الاحتياط في ستر ما قاربها من الفخذ.
واحتج: بأن الركبة هي: العظم المستدير الذي يجمع طرَفي عظم الساق والفخذ، والفخذ اسم العظم الذي يمتد من الورك إلى منتهى عظم الساق، وقد علمنا أن بعضه داخل تحت الركبة، وبعض الساق أيضًا داخل فيه؛ لأن المفصل تحتهما، وجب أن تكون الركبة عورة؛ لأنها قد جمعت جهتي الحظر والإباحة، وإذا اجتمعت جهتا الحظر والإباحة، كانت جهة
الجزء: 1 - الصفحة: 140
الحظر أولى؛ كالجارية بين اثنين، وهذا الاعتبار غير موجود في السرة، فلا يلزم.
والجواب: أنا لا نسلم أنها جمعت جهة الحظر والإباحة؛ لأن طرف العظم الذي في الركبة ليس من العورة عندنا، وإنما العورة تنتهي إلى الركبة، والركبة لا تدخل في اسم الفخذ، فلم يصح ما قاله، وعلى أنه يجب - على هذا - إذا كان جلد الفخذ ينتهي إلى القدمين أن يكون جميع ذلك عورة، وهذا لا يقوله أحدٌ، فبطل ما قاله.
واحتج: بأن الفخذ عورة، ويجب ستره، ولا يتوصل إلى ستر جميعه إلا بستر بعض الركبة، فيجب ستر بعضها؛ لأن ما لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا بها كانت فرضًا مثلها، وإذا وجب ستر بعضها، وجب ستر جميعها؛ لأن من أوجب ستر البعض، أوجبَ سترَ الجميع، ولهذا قلنا: إن المرافق داخلة في الوضوء.
والجواب: أن هذا المعنى موجود في السرة؛ لأنه لا يمكن في العادة استيفاء ستر العورة إلا بستر جزء من السرة، ثم لا يجب ذلك، كذلك في الركبة، والله تعالى أعلم.
10 -