مَسْألَة: إذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا، وليس معه ما يغسله، فإنه يصلي فيه، ولا يصلي عريانًا:
1 الجزء: 1 - الصفحة: 172
نص على هذا في رواية حرب 2، وأبي طالب: فيمن معه ثوب، وعليه دم فاحش وقذر، وهو مضطر، هل يتعرى ويصلي؟ فقال: لا يتعرى، ولكن يصلي ويعيد 3، فقد نص على أنه يصلي ويعيد، ويتخرج في الإعادة رواية أخرى: أنه لا يعيد؛ لأنه قد نص فيمن عدم الماء والتراب وصلى، هل يعيد؟ على روايتين، كذلك يتخرج ها هنا 4. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف - رحمهما الله -: إن كان ربع الثوب طاهرًا، وثلاثة أرباعه نجسًا، صلى فيه، ولم يصلّ عريانًا، وإن كان أقل من ربع الثوب طاهرًا، أو كان مملوءًا، فهو بالخيار، إن شاء صلى في الثوب ولا يعيد، وإن شاء صلى عريانًا 5.
الجزء: 1 - الصفحة: 173
وقال الشافعي - رحمه الله -: لا يجوز له أن يصلي في الثوب، ولكن يصلي عريانًا 6.
فالدلالة على أنه يصلي في الثوب من غير تخيير: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "غَطِّ فَخذَك؛ فإن الفخذ عورة" 7، وقوله: "لا تُبرِز 8 فخذَك، ولا تنظر إلى فخذِ حيٍّ ولا ميتٍ" 9، وهذا أمر بتغطية الفخذ، فهو على العموم؛ ولأنه قادر على ستر ما يجب سترُه خارجَ الصلاة، فلم يجز له تركه في الصلاة، دليله: لو كان واجدًا لثوب طاهر.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الفرض يسقط معه، وها هنا
الجزء: 1 - الصفحة: 174
لا يسقط معه الفرض.
قيل له: قد بيّنا أن في الإعادة روايتين: إحداهما: لا يجب، فعلى هذا: لا فرق بينهما.
والثانية: يجب.
فعلى هذا: لا يمتنع أن يجب عليه الصلاة على هذه الصفة، وإن كانت الإعادة واجبة؛ كما قلنا نحن 10 والشافعي - رحمه الله - 11: فيمن عدم الماء والتراب: يصلي ويعيد، وكذلك يلزمه المضي في الحج الفاسد، وإن لم يسقط به الفرض، وكذلك إذا أدرك الإمام بعد الركوع، لزمه متابعته، وإن لم يعتد 12 به، كذلك ها هنا.
وأيضًا: فإن ستر العورة فرض، والطهارة من النجاسة فرض، وقد دفع إلى ترك أحدهما؛ لأنه لا يمكنه إتيانهما، فيجب أن يأتي بآكدهما، وهو الستر؛ لأنه آكد، ألا ترى أنه يجب في الصلاة وفي غير الصلاة، والنجاسة تسقط في غير الصلاة؟
ولأن أبا حنيفة - رحمه الله - قد قال: لو طاف عريانًا، لزمه دم، ولو طاف في ثوب نجس، لم يلزمه دم 13.
ولأن الشافعي - رحمه الله - قد قال 14: إذا انكشف من العورة يسيرٌ، لم تصح صلاته.
وقال: يعفى عن يسير النجاسة، وإذا كان كذلك،
الجزء: 1 - الصفحة: 175
وجب أن يأتي بآكد الفرضين، ويترك أيسرهما، ولا يكون مخيرًا في أحدهما.
ولأن كشف العورة في الصلاة يجري مجرى النجاسة، ثم ثبت أنه لو عدم الستارة، صلى عريانًا، كذلك إذا عدم الطهارة من النجاسة، يجب أن يصلي مع النجاسة.
ولأنه غير قادر على ثوب طاهر، فلم يكن مخيرًا بين الصلاة في الثوب النجس وبين تركه، كما لو كان ربعه طاهرًا، وثلاثة أرباعه نجسًا، فإن أبا حنيفة - رحمه الله - قد قال: لا يخير، بل يلزمه الصلاة فيه، كذلك إذا كان أكثره نجسًا، تبين صحة أن هذا تقدير، والمقادير عنده لا تثبت إلا بتوقيف أو إجماع، وليس ها هنا واحد منهما.
واحتج المخالف: بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة إلا بطهارة" 15.
والجواب: أنا نحمله: لا صلاة مجزئة إلا بطهارة إذا قلنا: إنه يعيد الصلاة؛ أو نحمله على أنه: لا صلاة إلا بطهارة مع القدرة عليها إذا قلنا: لا يعيد؛ بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بأن كل نجس لم يجب استعماله في الصلاة إذا وجد طاهرًا
الجزء: 1 - الصفحة: 176
من جنسه، لم يجز استعماله، وإن لم يجد؛ كالماء النجس.
والجواب: أن الماء له بدل يرجع إليه، فلا معنى لاستعمال النجس، وهذا معدوم في الستر؛ ولأن الماء النجس لا يحصل به المقصود، وهو رفع الحدث، وهذا يحصل به المقصود، وهو الستر، ألا ترى أنه يحصل به هذا المعنى في غير الصلاة؟
واحتج: بأنه صلى بنجس مقدور على إزالته، ممكن الاحتراز منه غالبًا، فلم يجز.
دليله: إذا كان معه ثوب طاهر.
والجواب: أن قوله: (مقدور على إزالته)، غير مسلَّم؛ لأنه لا يقدر على إزالته إلا بترك الستر، وقد بينا أن الستر آكدُ من طهارة النجس، فلم يجز إسقاط الآكد بالأضعف.
واحتج أبو حنيفة - رحمه الله - في التخيير، وإسقاط الفرض: بأن النجاسة تجري مجرى كشف العورة في بطلان الصلاة مع القدرة، فيجب أن يكون مخيرًا في أيهما شاء حال العجز، ويسقط الفرض بالنجاسة كما يسقط مع كشف العورة 16.
والجواب: أنه كان يجب أن يعتبر الربع في سترها، كما اعتبر الربع في النجاسة.
فإن قيل: فعندكم أن الستارة لها بدل، وهو الجلوس، فكان يجب
الجزء: 1 - الصفحة: 177
أن ينتقل إليه، ولا يصلي في ثوب نجس.
قيل: ذلك ليس ببدل في الحقيقة، ولهذا من أجاز الصلاة جالسًا، خيَّره بين الجلوس والقيام، ولو كان بدلًا في الحقيقة، ما جاز تركه؛ ولأنه لو كان بدلًا في الحقيقة، لم يختلف الناس فيه، كما لا يختلفون في الثوب.
14 -