مَسْألَة: الصلاة على الميت تستفاد بالوصية ويكون الموصى أولى بالصلاة عليه من الولي والوالي:
نص عليه في رواية ابن منصور وقد سئل: من أحق بالصلاة على
الجزء: 4 - الصفحة: 246
الميت؟ قال: إذا أوصى فهو بيَّن، وإذا لم يوص فلا أدفع 1 الأولياء، وإذا حضر الأمير فهو أحق [به، والأب أحق] 2 من الزوج.
وكذلك نقل صالح عنه في الرجل يوصي أن يصلي عليه رجل هو أحق من ولده، أبو بكر - رضي الله عنه - وصَّى أن يصلي عليه عمر - رضي الله عنه -، وعمر وصَّى أن يصلي عليه صهيب - رضي الله عنه -، وهو اختيار الخرقي في المختصر، وأبي بكر عبد العزيز.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله: لا تستفاد الصلاة بوصيته، والوالي أولى بالصلاة من الوصي.
دليلنا: قوله تعالى ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -: روي أن أبا بكر - رضي الله عنه - وصَّى أن يصلي عليه عمر، ووصَّى عمر أن يصلي عليه صهيب - رضي الله عنهم -، فلما وضع سرير عمر ليصلى عليه ابتدر علي والزبير - رضي الله عنهم - للصلاة عليه، فقال لهما صهيب: ادخلا في الصف ما أحب إليكما الإمرة، ما رأيت من أمركما أعظم من هذا، فدخلا في الصف.
وذكر ابن جرير في تاريخه: تقدم صهيب - رضي الله عنه - فصلى عليه، وتقدم قبل ذلك رجلان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عثمان وعلي - رضي الله عنهما -، قال: فتقدم واحد من عند رأسه، وآخر من عند رجليه، فقال عبد الرحمن - رضي الله عنه -:
الجزء: 4 - الصفحة: 247
ما أحرصكما على الإمرة، أما علمنا أن أمير المؤمنين قال: ليصل بالناس صهيب، فصلى عليه صهيب - رضي الله عنه -، وأوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبو برزة 3 - رضي الله عنهما -، وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه الزبير بن العوام - رضي الله عنهما -، وأوصى أبو سريحة أن يصلي عليه زيد بن أرقم - رضي الله عنهما -، فلما وضعت جنازته جاء عمرو بن حريث - رضي الله عنهما - ليصلي وكان أمير الكوفة، فقال له ابنه: أصلح الله الأمير، إن أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم فقدم زيد، وأوصى أبو ميسرة أن يصلي عليه سريج - رضي الله عنهما -، وأوصت عائشة أن يصلي عليها أبو هريرة - رضي الله عنهما -، فصلى عليها وحضرها ابن عمر، وابن عباس - رضي الله عنهم -، وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن [زيد] 4 - رضي الله عنهما -، ذكر شيخنا أبو عبد الله هذه الأخبار في كتابه، والظاهر أنه منتشر فيهم، ولم ينقل عن أحد منهم خلافه.
فإن قيل: تحمل هذه الأخبار على أن الأولياء أجازوا الوصية، فحصل ذلك بإذن منهم.
قيل: روى إسماعيل الصفار في فضائل الصحابة في أخبار عمر أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أراد أن يتقدم فقال عبد الرحمن بن عوف: إن عمر أمر صهيبًا - رضي الله عنهم - بالصلاة، وهذا يدل على أنه كان يعتبر اختياره، وإنما اتبع فيه وصية أبيه، وعلى أنه معلوم أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - لا تطيب نفسه
الجزء: 4 - الصفحة: 248
بتقديم غيره، ويدل عليه أن الصلاة عليه ولاية تنتقل إلى الورثة، فجاز نقلها إلى غيرهم بالوصية، دليله: الولاية في المال، والذي تبين أن طريقها الولاية أنه لا مدخل للنساء فيها، ويختص بالعصبات.
ولا يلزم عليه ولاية النكاح؛ لأنها تستفاد بالوصية على الصحيح من الروايتين، وإن شئت قلت: لأنه يستفاد بالنسب جاز أن يستفاد بالوصية كالولاية في المال.
فإن قيل: ولاية المال حق له في حال حياته، فجاز أن يوصي بها، والصلاة عليه لا حق له في حياته، وإنما يثبت هذا الحق بعد موته للعصبة، ولا يملك نقل حقهم عنها كالوصية في أموال الأولاد الكبار.
قيل له: ولاية النكاح حق للأب في حال حياته، ولا يملك أن يوصي بها عندكم، وكذلك ما زاد على الثلث في ماله يملك الولاية ولا أن يوصي به، وقولك: إنه لا حق له في الصلاة في حياته وإنما يثبت هذا بعد الموت حق على المسلمين فلا يصح؛ لأنه وإن كان حقًا على غيره فإنه يجب عليهم لأجله وبسببه؛ لأن الصلاة عليه شفاعة له وتشريف، ولهذا يقال: جئناك شفعاء، ولهذا لا نصلي على الكفار؛ لأنهم لا شرف لهم.
وأما وصيته في أموال أولاده الكبار، فإنه لم يصح؛ لأنه لا حق له في ذلك، وليس كذلك الصلاة؛ لأن الحق له من الوجه الذي بينا.
ولأن أوصى بسبب يستفاد به الولاية في المال في حق الغير، فجاز أن يستفاد به الصلاة على الميت، دليله: النسب، والحكم.
الجزء: 4 - الصفحة: 249
ولا يلزم عليه ولاية المرأة على مالها، وولاية المكاتب على ماله؛ لأنها حال يستفاد بها في حق أنفسهما لا في حق الغير.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.
والجواب: أن هذا وارد في الميراث؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالحلف والمعاقدة، وكانوا أولى بالميراث، فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ فكانوا به ممن حالف وعاقد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.
واحتج: بأن الميت لا حق له في الصلاة على نفسه، فلم تصح وصيته؛ لأنه يوصي بما لا حق له فيه.
والجواب: ما تقدم وهو أن الصلاة شفاعة وتشريف له.
واحتج: بأنها عبادة تتعلق بالميت، فوجب أن يكون الولي أولى من الوصي، دليله: غسله، وتكفينه، ودفنه.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يقول: يلزم الوصية بغسله ودفنه؛ لأنه قد يكون له غرض صحيح في ذلك، وهو أن يكون الوصي ممن له معرفة في ذلك وله ورع ودين، وعلى أنه لا يصح اعتبار أحدهما بالآخر، بدليل: الزوج أولى بغسل زوجته، ولا يملك الصلاة عليها عندهم.
واحتج: بأن القصد من الصلاة على الميت الدعاء له، والمناسب أشفق من الوصي، ودعاءه أحظى فكان أولى.
الجزء: 4 - الصفحة: 250
والجواب: أن هذا يوجب أن يكون الولي أولى من الوالي للمعنى الذي ذكرت، وقد قلتم: إن الوالي [أولى] (1) بذلك، وعلى أنه قد يكون الحظ في دعاء الأجنبي أوفر لدينه وورعه وزهده، وفساد طريقة المناسبين، وإن قاسوا على الوصية بولاية النكاح لم نسلمها على الرواية الصحيحة، ونقول بأن الوصي أولى بها، والله أعلم.
71 -