:
ولا يصلى على القبر بعد شهر، نص عليه في رواية حرب، والأثرم، وحنبل.
واختلف أصحاب الشافعي رحمهم الله منهم من قال: مثل هذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 302
ومنهم من قال: يصلي عليه الولي صلى عليه إلى ثلاث 1.
دليلنا على جواز الصلاة بعد ثلاث: ما روى أحمد رحمه الله في مسائل الأثرم قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا ابن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن أم سعد بن عبادة ماتت، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - غائب فأتى سعد بن عبادة فأخبره فصلى على قبرها، وقد 2 أتى لذلك شهرًا، وهذا نص.
ولأن ما زاد على الثلاث مدة لم تزد على الشهر، فجاز الصلاة فيها على القبر، دليله: الثلاث فما دون.
والدلالة على أنه لا تجوز الصلاة بعد شهر هو: أن القياس يمنع الصلاة على الميت في الجملة؛ لأنه لو كان مشروعًا بعد الموت، لكان مشروعًا في حقه حال الحياة، كالدعاء له، والصدقة عنه، ولما لم يكن ذلك مشروعًا حال الحياة، كذلك بعد الموت، وإنما أثبتنا ذلك بالسنة، وأكثر ما روي في ذلك حديث أم سعد - رضي الله عنهما - وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عليها وقد أتى شهر، وبقي ما زاد على موجب المنع.
فإن قيل: فالخبر حجة عليكم؛ لأنه روي أنه صلى على أم
الجزء: 4 - الصفحة: 303
سعد بعد شهر.
قيل: أجاب عن هذا أبو بكر فيما سأله أبو إسحاق: قول الراوي: "بعد شهر"، يريد به شهرًا كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، يريد: الحين.
ولأنه لو جاز الصلاة عليه ما لم يعلم أنه قد بلي، لجاز وإن علم أنه قد بلي، كالدعاء له، والاستغفار، ولما لم يجز ذلك وجب أن يكون المرجع في ذلك إلى تقدير الشرع.
ولأنها مدة تزيد على الشهر، فلم يجز أن يصلي فيها على القبر، أصله: إذا بليت أرماسه.
ولأنها صلاة وجبت بالشرع، فكان لها وقت معلوم تفوت به كالفرائض، ولأنه لو جاز الصلاة عليه أكثر من شهر، لكان لا أقل من أن ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعله ولو مرة، ليبين الجواز.
واحتج المخالف: بما روي أن البراء بن معرور - رضي الله عنه - مات، والنبي - صلى الله عليه وسلم - غائب، فلما قدم بعد سنة صلى عليه 3.
والجواب: أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على البراء بن معرور بعد ما قدم المدينة خلف قبره فقال: "اللهم صل على البراء بن معرور، ولا تحجبه عنك يوم القيامة، وأدخله الجنة وقد فعلت"، وظاهر هذا أنه يقتضي أن يرد على ذلك إذ لو كان لنقل، كما نقل صلاته على
الجزء: 4 - الصفحة: 304
النجاشي وصف أصحابه وكبر أربعًا، وإذا كان هذا جملته فهذا دعاء، وليس بصلاة.
واحتج: بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين.
والجواب: أن ذلك من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - كالمودع للأحياء، والمترحم على الأموات، يدل على هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صلى على قتلى أحد، ومعلوم أنه لا يصح تكرارها من شخص واحد.
واحتج: بأن القصد من الصلاة الدعاء له، فمتى لم يعلم أنه قد بلي، فالمعنى مقصود موجود، فيجب أن يصلي عليه.
والجواب: أنا قد بينا أن طريق هذا التوقيف دون القياس، على أنه يجب أن يصلي عليه وإن علم [أنه] قد بلي، ويكون معنى الصلاة عليه الدعاء له، كما يصلى على الغائب.
والدعاء له بعد أن بلي يجوز فكان يجب أن تجوز الصلاة عليه، وقد قلت: إنه لا يجوز، فبطل هذا، والله أعلم.
90 -