مَسْألَة: مسافر صلى بمسافرين ومقيمين، فأحدث الإمام قبل أن يستكمل ركعتين، فقدم مقيمًا ليصلي بقية الصلاة، وجب على المسافرين أن يُتموا الصلاة أربعًا:
وهذا على الرواية التي تقول: إن صلاة الإمام لا تبطل بالحدث،
الجزء: 3 - الصفحة: 48
بل يبني عليها، ويجوز له الاستخلاف 1، رواها عبد الله 2، وصالح 3، ومهنا 4.
فإن قلنا: صلاة الإمام تبطل، لا أن الاستخلاف لا يصح؛ لبطلان صلاة المأمومين لفساد صلاة الإمام، فإنه لا تصح هذه المسألة، وقد نص على البطلان في رواية أحمد بن سعيد (4)، وبكر بن محمد 5، وهذه المسألة مبنية على الرواية الأولى.
وبه قال الشافعي - رضي الله عنه - 6.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا يجب عليهم الإتمام 7.
دليلنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به" 8، وقال: "اقتدوا
الجزء: 3 - الصفحة: 49
بأئمتكم" 9، وهذا عام، إلا ما خصه الدليل.
ولأنه مسافر التزم صلاةَ حضر، فلا يجوز له القصر، أصله: إذا أحرم خلف مقيم.
وقد قيل: إنه اقتدى في صلاته بمقيم، أشبهَ إذا أحرم خلف مقيم.
والأولة أجود؛ لأنه ليس من شرطه أن يقتدي بالمقيم؛ لأنه إذا اقتدى بمسافر نوى الإتمام، لزمه الإتمام، وإن كان الإمام مسافرًا.
واحتج المخالف: يقتدون بالإمام الأول؛ لأنهم يبنون على ترتيب صلاته، فيقعدون في موضع قعوده، ويقومون في موضع قيامه، ألا ترى أن هذا المقيم المستخلف لو كان أدرك الركعة الثانية من صلاة الإمام، لقعد للتشهد في هذه الركعة؟
والجواب: أنهم - وإن بقوا 10 على ترتيب صلاة الإمام الأول - فإنهم مقتدون بالإمام الثاني، والأول ليس بإمام لهم، يدل على ذلك: أنهم [يقتدون] 11 برأي الثاني، ويتبعونه في أفعاله، وإذا ركع ركعوا، وإذا سجد سجدوا، وإذا رفع رفعوا، وإذا بطلت صلاته، بطلت صلاة المأمومين،
الجزء: 3 - الصفحة: 50
ويسجدون لسهوه، وإذا علموا أنه محدِث، وتبعوه، بطلت صلاتهم، فدل ذلك على أنه إمام.
وجواب آخر: وهو أن المقيم الذي يصلي خلف المسافر يتبعه في ترتيب صلاته، ويلزمه الإتمام، كذلك لا يمتنع أن يكون هذا المسافر يبني على ترتيب صلاة المسافر الأول الذي أحدث وانصرف، ويلزمه الإتمام؛ لاقتدائه بمقيم، وهو الإمام الثاني، واتباعُه في ترتيب صلاته لا يسقط عنه الإتمام؛ كما لم يسقط عن المقيم المقتدي به.
واحتج: بأنهم لم يلتزموا حكم تحريمة الثاني، وإنما التزموا حكم تحريمة الإمام الأول.
والجواب: أنهم لما اقتدوا به، صاروا ملتزمين لحكم تحريمته، وصاروا بمنزلة ما لو أحرموا خلفه؛ لأن ما يوجب الإتمام لا فرق بين أن يطرأ في آخر الصلاة، وبين أن يوجد في أول الصلاة؛ كقطع نية الفرض، أو قطع نية السفر، وإحداث نية الإقامة، على أن الالتزام لا اعتبار به في وجوب الإتمام؛ لأن وصول السفينة إلى بلده يوجب عليه الإتمام، وإن لم يلزمه، والله تعالى أعلم.
133 -