مَسْألَة: إذا سافر سفر معصية، لم يجز له القصرُ، والفطرُ، والمسحُ ثلاثةَ أيام، وأكلُ الميتة:
نص على هذا في رواية عبد الله 2، وأبي داود 3، ومهنا 4، وحرب (4)، واللفظ لحرب: إذا خرج في معصية، ..............1
الجزء: 3 - الصفحة: 56
فلا يقصر، ولا تحل 5 له الميتة 6.
وبهذا قال الشافعي - رحمه الله - 7.
وقال أبو حنيفة 8، وداود 9 - رحمهما الله -: يجوز له القصر والفطر.
وقال مالك - رحمه الله -: لا يجوز له القصر، ويجوز له أكل الميتة 10.
فالدلالة على أبي حنيفة - رحمه الله -: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3]، فحرم الميتة تحريمًا عامًا، ثم استثنى من جملة التحريم مضطرًا غيرَ عاصٍ، فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3]، يعني: غير مرتكب لمعصية، وهذا عاصٍ، فوجب أن يكون على أصل التحريم.
فإن قيل: معناه: غير متجانف لإثم في أكل الميتة، وهو أن يزيد على مقدار سدِّ الرمَق، ويطلب الشبع.
الجزء: 3 - الصفحة: 57
قيل له: قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ نص على حال المضطر، وكأنه قال: فمن اضطر في مخمصة في حال لا يكون متجانفًا لإثم، فإذا كان كذلك، لم يجز أن يكون المراد به: إثم الشبع، والزيادة 11 على سد الرمق؛ لأن هذا الإثم يحصل بعد ارتفاع الضرورة، فلا يجوز اقترانه بحال الضرورة، وإلا به يقتضي إثمًا 12 في حال الضرورة.
فإن قيل: الأكل مضمر في الآية، فكأنه قال: فمن اضطر في مخمصة، فأكل غير متجانف لإثم بالأكل.
قيل له: نحن نسلِّم أن الأكل مضمر؛ لأنا نعلم أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، معناه: أكلُها، وليس إذا كان مضمرًا مما يجب حمل تجانف الإثم بالأكل؛ للمعنى الذي ذكرنا، وهو أنه نصب على حال المضطر، ولا يكون مضطرًا وقد حصل الشبع، فيحصل تقديره: فمن اضطر في حال لا يكون متجانفًا لإثم، فأكل، فإن الله غفور رحيم.
وأيضًا: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: 173]، فأباح أكل الميتة بشرطين: أحدهما: الاضطرار.
والثاني: أن يكون غير باغٍ ولا عادٍ، وهذا باغٍ وعادٍ، فلا يجوز له أكلها.
فإن قيل: هذه الآية محتملة 13؛ لأن السلف تنازعوا في
الجزء: 3 - الصفحة: 58
تأويلها 14، فقال بعضهم: المراد بها: غير طالب للشبع، ولا عادٍ في الأكل، وقال بعضهم: غير باغ على الإمام، ولا عاد على المسلمين، وليس في الآية ما ينبئ عن المراد بها.
قيل له: رُوي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال في تفسيره: غير باغ على المسلمين مخيفًا لسبيلهم، ولا عاديًا عليهم بسيفه مشاقًا لهم 15، وتفسير عبد الله أولى.
والثاني: ما تقدم، وهو أن الشبع، قوله: غير باغ ولا عاد نصب على حال المضطر، فكأنه قال: فمن اضطر في حال لا يكون باغيًا ولا عاديًا، ولا يمكن حمله على الشبع؛ لأن هذا البغي والعدوان 16 يحصل بعد ارتفاع الضرورة.
وجواب ثالث: وهو أنا نحمله عليها جميعًا على البغي والعدوان (3) في الأكل، وفي الأفعال.
فإن قيل: العموم يُدَّعى في الألفاظ، وليس واحد من المعنيين مذكورًا في الخبر، ولا ملفوظًا به.
الجزء: 3 - الصفحة: 59
قيل: ليس ها هنا مضمر؛ لأن البغي صفة لمن عدل عما أُمِر به، ولهذا قيل لمن خرج على الإمام: باغ؛ لأنه عدل عما أُمِر به، كذلك البغي ها هنا: عدولٌ عما أمر به، وارتكاب المخالفة في الأفعال من الأكل وغيره، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: 38]، معلوم أن السارق من أخذ الشيء، إلا أنه غير مذكور، ولم يجز أن يقال: إن هذا مضمر، بل قيل: إن هذا الاسم لمن هذه صفته، وإنما المضمر نحو قوله - عليه السلام -: "رفع القلم عن ثلاث" 17، نحن نعلم أن نفس القلم لا يرتفع، وإنما يرتفع معنى مضمر، وهو: الحكم، وكذلك قوله: عفي عن الخطأ، نفس الفعل، فعلم أن هناك مضمر [اً].
فإن قيل: قد اتفقوا على أن المراد بالآية: أحدهما، فلا يجوز حملها عليهما؛ كما قلنا في الأقراء المذكورة في الآية 18 لما اختلفوا في المراد بها، فتأول بعضهم على الأطهار، وبعضهم على الحيض، واتفقوا أن المراد بها أحدهما، لم يجز حمل الآية عليها.
قيل له: المراد بالآية: الأمران جميعًا؛ لأن البغي في كل محرم عليه بالاتفاق، فثبت أنه مراد بالآية، والبغي في غيره مختلف فيه، ونحن نقول: هو مراد بالآية أيضًا، والظاهر يقتضيه، فجاز حمله عليهما.
وأيضًا: ما أنا أبو محمد عبد الله بن الضرير المقرئ - تخريج أبي
الجزء: 3 - الصفحة: 60
الحسن الدارقطني - قال: نا محمد بن الحسن بن زياد أبو بكر المقرئ 19 قال: نا عبد الرحمن بن يحيى الزبيدي الحمصي 20 قال: نا عبد الله بن عبد الجبار الخبائري 21 قال: نا الحكم بن عبد الله 22 قال: حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب، عن عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة لا يقصرون الصلاة: الفاجر في أفقه الفقه، والمرأة 23 تزور غير أهلها، والراعي" 24، فقد نص على أن الفاجر لا يقصر، وكذا المرأة تخرج
الجزء: 3 - الصفحة: 61
إلى غير أهلها، وفيه دلالة على أن الراعي لا يقصر.
والقياس: أنه سفر معصية، فوجب أن لا يتعلق به رخصة، أصله: إذا كان أربعةَ بُرُد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه ليس بسفر صحيح.
قيل له: بل هو سفر صحيح، ويقع عليه الاسم في اللغة، والعلة تعتبر في ألفاظها موضوع اللغة.
فإن قيل: فالمعنى في الأصل: أنه لو كان مباحًا، لم تتعلق به الرخص.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل يتعلق به عندنا رخص القصر، ولأن السفر معنى لم يجد كثره له تأثير في فرض الصلاة، فوجب أن يتنوع نوعين: نوع يؤثر، ونوع لا يؤثر؛ كزوال العقل يتنوع نوعين: نوع يؤثر، = الفاجر لا يقصر! وهذا تصحيف، قد أضيف إليه كلمة، ولا معنى له؛ لأن ذِكْر (أفقه الفقه) لا معنى له في حق الفاجر، ولا أدري هذا التصحيف من أي الرواة هو؟ وإنما الحديث غير ذا)، وقال الذهعي في التنقيح (4/ 95): (كذا قال: (أفقه الفقه)! ، وهذا من تخبيط النقاش)، وينظر: التنقيح لابن عبد الهادي (2/ 531)، وصواب الحديث: "ثلاثة لا يقصرون الصلاة: التاجر في أُفُقه، والمرأة تزور غير أهلها، والراعي" أخرجه ابن عدي في الكامل (2/ 204)، والديلمي في الفردوس رقم (2504)، ولا يصح، والمتهم به الحكم بن عبد الله.
ينظر: التحقيق (4/ 96)، وميزان الاعتدال (2/ 338)، والتنقيح لابن عبد الهادي (2/ 531).
الجزء: 3 - الصفحة: 62
وهو الجنون، والثاني: لا يؤثر، وهو السكر، ولا يدخل عليه دم الحيض والنفاس؛ لأنه محدود الأكثر.
وأيضًا: فإن القصر والفطر جُعِلا معُونة للسفر، وإذا كان معصية، لم يجز أن يكون له رخصة؛ لأنه يكون معونة على المعصية، والمعونة على المعصية معصية، وهذا لا يجوز بالإجماع، وشأنه هذا: صلاة شدة الخوف، لما كانت عونًا على القتال، لم تجز إذا كان عاصيًا بالقتال، كذلك ها هنا.
فإن قيل: لا نسلم أنه لا يجوز لمن قاتل بمعصية أنه لا يجوز له أن يصلي صلاة شدة الخوف.
قيل له: هذا خلاف إجماع المسلمين، فلا يصح القول به، وعلى أن الدليل يستغني بنفسه عن ذكر الأصل، فلا يضرنا منع التسليم.
فإن قيل: فإن سلَّمنا الأصل، فلا نسلم أن صلاة الخوف جعلت معونة على القتال.
قيل له: هذا لا شبهة فيه؛ لأنه إنما جاز له أن يصلي على الدابة كيف ما أمكنه؛ ليتصل القتال، ولا يغلب العدو، فسقط هذا.
فإن قيل: فالمعنى في الأصل: أن العاصي بالقتال هو الذي ابتدأ بقتال من لا يجوز له أن يقاتله، وهو متمكن من تركه، غيرُ مضطر إليه، فلا يكون علة التخفيف موجودة في حقه، فلهذا لم يجز له أن يصلي صلاة شدة الخوف، وليس كذلك صلاة السفر؛ فإن التخفيف فيها متعلق بالسفر، وهو موجود.
الجزء: 3 - الصفحة: 63
قيل له: العلة في صلاة الخوف هو: الخوف الذي ليس بمعصية، والعلة في صلاة السفر هو: السفر الذي ليس بمعصية، والخوف موجود ها هنا، لكن هو معصية، وكذلك السفر هو موجود، لكن هو معصية، فلا فرق بينهما.
فإن قيل: لو ضرب جوفها، فألقت جنينًا، أو شربت دواءً، فأسقطت، وصارت نفساء، تسقط عنها فرض الصلاة، ولم يلزمها القضاء إذا طهرت، وسقوط الصلاة عنها تخفيف، وقد جاز أن يثبت لها ذلك، مع كونها عاصية في السبب، وكذلك إذا جرح نفسه، أو كسر ساقه، فلم يقدر على القيام، صلى قاعدًا.
قيل له: المعصية هو تناول الدواء الذي يتولد منه إسقاط الولد، وسقوط فرض الصلاة لا يتعلق به، وإنما يتعلق بوجود دم النفاس، ووجوده ليس بمعصية من جهتها، فجاز أن يثبت لها التخفيف، وكذلك فرض القيام يسقط لعجزه عنه، وليس ذلك بمعصية من جهته، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن هذه الرخص تتعلق بالسفر، وهو في نفسه معصية؛ إذ لا خلاف أنه يعاقب على حركاته ومشيه في حال سفره، فلم يجز أن يجلب التخفيف، والذي تبين صحة هذا: أنه تصح التوبة من إسقاط الجنين، ومن الجرح والكسر مع بقاء العجز.
فإن قيل: ثبت تناول الميتة خوف التلف في حال الضرورة، وليس ذلك بمعصية من جهته، وإنما المعصية هو السفر، فكان يجب أن يباح له تناولها.
الجزء: 3 - الصفحة: 64
قيل له: إلا أن السفر سبب في الضرورة التي يخاف معها التلف؛ إذ لولاه، لم تلحقه هذه الضرورة، ويمكنه قطع ذلك السبب الذي هو المعصية، فجاز أن تعلق عليها حكم سببها، كما قلنا في السكران: تعلق عليه حكم سببه، وهو الشرب، وإن كان حدث بغير فعله، إلا أن سببه من جهته، وهما سواء، إلا أن السُّكْر يزيل العقل، والتلف يزيل العقل والحمله 25، فكانا سواء، ويفارق هذا النفاس؛ لأنه لا يمكنه قطع سببه؛ لأنه إذا وجد، لم يمكن قطعه.
فإن قيل: لو لبس خفًا مغصوبًا، جاز له أن يمسح، وإن كان عاصيًا في السبب، وكذلك لو دخل بلدًا، ونوى أن يقيم فيه لفعلِ المعاصي، جاز أن يمسح يومًا، وكذلك لو سافر لمعصية، جاز له أن يمسح على الخفين يومًا وليلة، وكذلك إذا عدم الماء في سفر المعصية، جاز له أن يتيمم، ويصلي، ولا يعيد، وكذلك إذا ابتدأ سفرًا مباحًا، ثم صار معصية؛ مثل: العبد إذا سافر مع مولاه، ثم هرب منه في بعض الطريق، أو خرج لقطع الطريق: أنه يترخص، كذلك ها هنا.
قيل له: أما إذا لبس خفًا مغصوبًا، فإنه يخرج على روايتين 26؛ بناء على قول أصحابنا في الصلاة في الثوب المغصوب، والأرض الغصب، إحداهما: لا يجوز، وهو أصح، فعلى هذا: لا نسلم هذا، والثانية: تصح، فعلى هذا الفرقُ بينهما: أن المعصية في الخف لا يختص اللبس،
الجزء: 3 - الصفحة: 65
ألا ترى أنه لو ترك اللبس، لم تزل المعصية، وهو مأثم الغصب؟ وليس كذلك ها هنا؛ لأن المعصية تختص السفر، ألا ترى أنه لو ترك السفر، خرج من المعصية؟ وهكذا إذا كان مقيمًا في بلد لفعلِ المعاصي، فإنه يجوز له المسح يومًا وليلة؛ لأن المعصية لا تختص بلبسه، ألا ترى أنه لو ترك اللبس، لم تزل المعصية؟ وأما إذا أنشأ سفرًا مباحًا، ثم صار معصية، فظاهرُ كلام أحمد - رحمه الله -: لا يباح له القصر، وقد قيل: يباح له؛ لأن الرخص تتعلق بالإنشاء، والاستدامة يحصل بها استيفاء الرخصة، فإذا كان الإنشاء مباحًا، تعلق به الاستباحة، وإذا كان معصية، لم يتعلق به، وأما التيمم في سفر المعصية، فيحتمل أن يقول: يتيمم، ويعيد؛ لأن التيمم رخصة السفرُ أوجبها، فهي كالقصر، ويحتمل أن يقول: يصلي بالتيمم، ولا يعيد؛ لأن التيمم إنما وجب عند العجز، وهو عاجز في هذه الحال، وفعل التيمم هو إيجاب عليه، وإثبات عبادة، وليس رخصة، ويفارق هذا: إباحة الميتة؛ لأنه رخصة، وكذلك القصر، فلهذا لم يستبحه لسفر المعصية.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 184]، ولم يفرق، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة" 27، وقوله: "يمسح المقيم يومًا
الجزء: 3 - الصفحة: 66
وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن" 28.
والجواب: أنا نحمل ذلك على سفر الطاعة والمباح؛ بدليل ما تقدم.
واحتج: بأن كل من أنشأ سفرًا ثلاثة أيام فصاعدًا، جاز له أن يفطر، ويمسح مسح المسافر، ويقصر الصلاة؛ دليله: السفر المباح.
والجواب: أنه ليس في الأصل معونة على المعصية، وفي الفرع معونة على المعصية، وهذا لا يجوز، وعلى أنه لا يجوز اعتبار المعصية بما ليس بمعصية، ألا ترى أنه لو سكر أيامًا، لم يسقط عنه قضاءُ الصلوات، ولو جُنَّ أيامًا، سقط عنه قضاؤها؟ وليس ها هنا معنى يوجب الفرق بينهما إلا كونه عاصيًا في أحدهما، غيرَ عاص في الآخر.
فإن قيل: لو كان كذلك، لوجب إذا أُكِره على الشرب فسكر، أن يسقط عنه القضاء كما يسقط في الجنون؛ لأنه غير عاصٍ فيهما.
قيل له: الموجب للقضاء في السكر هو المعصية، وكونه مكرهًا على الشرب، وإن لم يكن معصية، فإنما وجب القضاء؛ لأنه عذر نادر، والنادر لا يسقط القضاء.
= الصيام عن المسافر، رقم (2267)، وابن ماجه في كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الإفطار للحامل والمرضع، رقم (1667)، وجوّد إسناده ابن تيمية في الفتاوى (24/ 106)، وينظر: العلل لابن أبي حاتم (2/ 73) رقم (784).
الجزء: 3 - الصفحة: 67
وقياس مذهبنا: أن القضاء يسقط في حال الإكراه، وإن كان نادرًا؛ كما قالوا فيمن عدم الماء في الحضر، فإنه يتيمم، ويصلي، ولا قضاء عليه، وإن كان نادرًا.
فإن قيل: السكر ليس بمعصية؛ لأنه ليس من فعله، وإنما المعصية شرب الخمر، وما تولَّد من المعصية، وليس في نفسه بمعصية، يجوز أن يتعلق به التخفيف؛ كالمرأة إذا شربت دواء، فأسقطت، وصارت نفساء: أنه يسقط عنها فرض الصلاة؛ لأن النفاس ليس بمعصية، وإن تولد من معصية.
قيل له: السكر في الشريعة بمنزلة المعصية المستدامة التي يفعلها الإنسان شيئًا بعد شيء؛ كما يفعل السفر شيئًا بعد شيء، ألا ترى أن الإثم جارٍ عليه ما دام سكرانًا، والتكليف قائم في جميع الأحكام كأنه عاقل مميز، وهذا معدوم في الجنون، فبان الفرق بينهما، ولأن الشرب يحصل منه السكر غالبًا، فجُعل مضافًا إليه؛ كالقتل لما كان يحصل معه خروج الروح، جُعل ذلك مضافًا إليه، وليس كذلك النفاس؛ لأنه ليس الغالب وجوده من الضربة.
واحتج: بأن كل صلاة يقتصر فيها على ركعتين في السفر المباح، فإنه يقتصر فيها على ركعتين في السفر المحظور؛ دليله: صلاة الفجر.
والجواب عنه: ما تقدم من الفرق بين المباح والمحظور، ولأن الفجر ليس فيها معونة على المعصية، وليس كذلك غيرها من الصلوات، لأن فيها معونة على المعصية، فبان الفرق بينهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 68
والدلالة على مالك - رحمه الله - في تحريم أكل الميتة: ما تقدم من الآيتين، ولأن الأكل جعل معونة على السفر، وإذا كان معصية، لم يجز أن يكون له عونًا؛ لأن العون على المعصية معصية، ولهذا لم يجز له القصر والفطر؛ لأنه يكون عونًا على المعصية.
فإن احتجوا: بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، فهو محمول على غير مسألتنا.
واحتج: بأنه مضطر إلى أكل الميتة، فأشبه سفر المباح.
والجواب: أنه ليس في إباحة ذلك عونٌ على المعصية، وها هنا فيه عون على ذلك، ولهذا فرقوا بينهما في القصر والفطر، والله تعالى أعلم.
136 -