مَسْألَة: سجود السهو واجب:
ذكره شيخنا 2، وقد أومأ إليه أحمد - رحمه الله - في كلام نذكره في أثناء المسألة، .................................1
الجزء: 1 - الصفحة: 460
وبه قال الكرخي 3 من أصحاب أبي حنيفة.
وقال أصحاب مالك: يجب إذا كان السهو في النقصان 4.
وقال أصحاب الشافعي - رحمه الله -: لا يجب 5.
فالدلالة على وجوبه: ما رُوي في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: "وليسجد سجدتين بعد السلام" 6، وهذا أمر، ولأنه جبران لنقص أدخله في عبادة، فوجب أن يكون واجبًا؛ كالجبران في الحج.
فإن قيل: الجبران في الحج يقوم مقام واجب تَرَكَه، فلهذا كان واجبًا، وليس كذلك الجبران في الصلاة؛ لأنه يقوم مقام مسنون، فيجب أن يكون مسنونًا.
قيل له: عندنا: يقوم مقام واجب، وهو التكبير للخفض، والرفع، والتسبيح للركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وقول: رب
الجزء: 1 - الصفحة: 461
اغفر لي، والتشهد الأول، وعلى أنه لا يمتنع أن يقوم الشيء مقام ما ليس بواجب، ويكون هو واجب، كما نقول فيمن أفسد حجة تطوع: إنه يجب عليه القضاء، فيكون القضاء واجبًا، والمقضي عنه تطوعًا.
فإن قيل: إذا دخل في حجة التطوع، صارت واجبة.
قيل له: لم يكن ابتداؤها والدخول فيها واجبًا، ويجب ابتداء قضائها والدخول فيها، فصار البدل 7 حالًا من هذا الوجه.
فإن قيل: جبران الحج لا يسقط بتطاول الزمان، وهذا يسقط.
قيل له: سجدتا السهو تفعلان عندنا بناءً على التحريمة، فلم يجز أن يبنيهما على التحريمة إلا على حسب ما تبنى سائر أفعال الصلاة، فإذا تطاول، انقطع حكم التحريمة، فلم يجز البناء، وهذا فصل نذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى -.
واحتج المخالف: بما روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فليبن علي اليقين، وليلغ الشك، ويسجد سجدتين، فإن كانت صلاته نقصت، فقد أتى بها، والسجدتان ترغيمًا للشيطان، وإن كانت صلاته تامة، كان ما زاد، والسجدتان له نافلة" 8.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون سماهما نافلة؛ لأنهما ليستا من
الجزء: 1 - الصفحة: 462
صلاته، وتركهما لا يفسد صلاته، وأطلق عليهما اسم النافلة على طريق التشبيه بها.
واحتج: بأن الصلاة لا تبطل بتركه، فوجب أن لا يكون واجبًا؛ قياسًا على سائر سنن الصلاة.
والجواب: أن أبا بكر الأثرم نقل عن أحمد - رحمه الله - إذا نسي سجدتي السهو؟ فقال: إن كان في سهو خفيف، فأرجو أن لا يكون عليه شيء، فقيل له: فإن كان فيما سها فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يسجد ناسيًا، فقال: هاه، ولم يجب، وبلغني عنه أنه يستحب أن يعيد 9.
ونقلت من خط أبي إسحاق البرمكي 10 عن شيخنا أبي عبد الله قال: وجدت في مسائل يعقوب بن بختان، قيل له: رجل نسي التشهد؟ قال: يعود فيقعد، ثم يتشهد ويسلم، قيل له: فإن خرج؟ قال: يرجع ما كان في المسجد، فإن خرج فتكلم: أعاد 11. فظاهر هذا: أنه يبطل بتركه سهوًا، فعلى هذا يسقط السؤال.
والصحيح من المذهب: أن الصلاة لا تبطل، قال أبو بكر الخلال:
الجزء: 1 - الصفحة: 463
اتفقوا عنه: أنه يسجد بالقرب، وإن تباعد، فلا شيء عليه، وما قاله الأثرم عنه، بلغه عن أبي عبد الله: أنه إذا لم يسجد، يعيد، فلا أعرف له وجهًا، ولعله لم يضبط من حكى له (1)، فعلى هذا قد بيّنا أن هذا يجري مجرى الجبران الواجب في الحج، وتركه لا يبطل الحج، ولم يمنع ذلك من وجوبه، كذلك ها هنا.
واحتج: بأن هذا بدل عما ليس بواجب، فلا يجوز أن يكون واجبًا؛ لأن المبدل آكد من البدل (2) في الأصول.
والجواب عنه: ما بيَّنا من أنه قد يكون عدلًا عن واجب؛ ولأن قضاء حجة التطوع بدل، وهو واجب، وحجة التطوع ليست بواجب، والله أعلم.
46 -