إذا أحسَّ 3 الإمام برجل، وهو راكع، استُحِبَّ له انتظارُه،12
الجزء: 2 - الصفحة: 353
ما لم يطل على المأمومين:
نص على هذا في رواية أبي داود 4، والأثرم 5، وإبراهيم بن الحارث (2)، فقال: ينتظره ما لم يشق على من خلفه، وقد صرح بالاستحباب في رواية عبد الله - وقد سأله 6: ينتظرهم أحبُّ إليك أم لا يزيد على ركوعه؟ -، فقال: ينتظرهم ما لم يشق على من خلفه.
وللشافعي - رضي الله عنه - قولان حكاهما 7:
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: يكره ذلك 8. وهو قول أبي حنيفة 9، ومالك 10 - رحمهما الله -.
الجزء: 2 - الصفحة: 354
دليلنا: ما رُوي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انتظر في صلاة الخوف 11؛ لأجل إدراك الناس فضيلة الجماعة، وهذا تنبيه على غيره.
فإن قيل: صلاة الخوف لم تسن في الأصل إلا هكذا.
قيل: لا نسلم لك أنه غير مسنون في غيرها من الصلوات، بل هو مشروع لانتظار المأموم ليلحق الجماعة؛ كما هو في صلاة الخوف.
فإن قيل: الخبر وارد في صلاة الخوف، ونحن نقول بموجبه فيما ورد فيه، وخلافنا في غيره.
قيل: ورود الخبر في صلاة الخوف تنبيهٌ على غيره من الصلوات؛ إذ لا فرق بينهما؛ لأنه - عليه السلام - إنما انتظر في صلاة الخوف؛ ليحصل لهم فضيلة الجماعة، وهذا موجود في غيرها.
وأيضًا: روى عصمة بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر، وقعد في المسجد، إذ دخل رجل يصلي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا رجلٌ يقوم فيتصدَّقُ على هذا، فيصلي معه؟ " 12، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبب إدراكه فضيلةَ الجماعة صدقةً يستحق بها الثواب، ولم يجز أن يقال: إن
الجزء: 2 - الصفحة: 355
القائم إلى الصلاة معه لم يبتغِ بذلك وجه الله تعالى، وإنما ابتغى حقَّ الآدمي، بل كان جامعًا بين أجر العبادة، وأجرِ إدراك أخيه المسلم فضيلةَ الجماعة؛ كذلك الإمام الذي هو في الصلاة، يجوز أن ينتظر أخاه المسلم؛ ليدرك فضيلة الجماعة معه.
فإن قيل: هذا الخبر منسوخ؛ لأنه يقتضي إعادة الجماعة في المسجد بعد أن صلِّي فيه الفرض، فهو محمول على الوقت الذي كان يعاد 13 فيه الفرض مرتين.
قيل له: لا نسلم أن هذا منسوخ، بل هو جائز، وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية الحسين بن حسان 14: في قوم جاؤوا إلى المسجد، ولم يجمَّع فيه: ليس لهم أن يجمِّعوا، فإن كان أهله قد جمَّعوا فيه، يجمِّعون، إلا مسجدين: مسجد الحرام، ومسجد المدينة.
فقد نص على أن المسجد إذا كان له إمام راتب، كُره عقد الجماعة فيه قبل صلاة الإمام؛ لأنه يؤدي إلى تفريق الكلمة على إمام المسجد، وأن يتحلل الجماعة عنه، ولا يكره ذلك بعد صلاته؛ لأن هذا المعنى معدوم، وكره ذلك في
الجزء: 2 - الصفحة: 356
المسجد الحرام، ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في إحدى الروايتين 15؛ لئلا تتفرق الجماعات، والفضيلة تُحصل في توفيرها؛ لأن أهل مكة والمدينة يتوفرون للصلاة في هذين المسجدين دون غيرهما من الأماكن طلبًا لفضيلتهما، والفضلُ في توفر الجماعة الواحدة، وكثرة الجمع فيها، فلو أجزنا تكرر الجماعة، أدى ذلك إلى تقليل الجمع، وتفريقه، فيؤدي إلى فوات تلك الفضيلة، وهذا المعنى لا يوجد في سائر البلاد؛ لأنهم لا يتوفرون على مسجد واحد، وإنما قلنا: إن توفر الجماعة تحصل به فضيلة؛ لما روى أُبَيُّ بن كعب - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة المرء مع الرجل أزكى من صلاته وحدَه، وصلاة المرء مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل 16، وما كَثُر، فهو أحبُّ إلى الله - عز وجل -" 17، ولأن كلما كثر الجمع، كان أكثر في التضرع والابتهال والدعاء، ويكون أرجى للإجابة، وإذا كان كذلك، لم يعلم ما ادعوه من النسخ.
وأيضًا: بما روى أحمد - رحمه الله - في المسند 18 بإسناده عن
الجزء: 2 - الصفحة: 357
عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وَقْعَ قدم 19، وهذا دليل على جواز الانتظار؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطوِّل الركعة الأولى 20؛ ليدرك الناس فضيلة الجماعة.
فإن قيل: هذا الخبر متروك؛ لأن السنةَ التسويةُ بين الركعة الأولى، والثانية.
قيل: ليس كذلك، بل عند أحمد - رحمه الله - 21: أن السنة أن يُطيل الأولى من الظهر؛ كما يُطيل في الأولى من الفجر انتظارًا لامرئ يجيء، فلو عرض الانتظار في الركعة الثانية، انتظر كما ينتظر في الأولى، ووجدت في جملة أخبار جمعها 22 أبو بكر الروشناني 23 عن جابر بن
الجزء: 2 - الصفحة: 358
عبد الله - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ركع، فسمع حِسًّا خلفه، لم يرفع رأسه حتى لا يسمع حسًا 24، وهذا نص، وذكر أبو بكر النجاد في كتابه قال: نا أحمد بن يحيى 25 قال: نا يحيى بن عبد الحميد 26 قال: نا شريك عن أبي إسحاق قال: أدركتُ أئمة المساجد من الفقهاء وغيرهم من أصحاب عبد الله، وأصحاب علي - رضي الله عنهم -، إذا سمعوا خفق نعل رجل، والإمامُ راكع، انتظروه 27. وهذا يدل على إجماعهم، ولأنه انتظار على المأموم لإدراك الركعة في ذلك، فلم يكره؛ دليله: انتظاره على الطائفة الثانية في صلاة الخوف، ولأن في ذلك رفقًا بالداخلين، ومعرفةً لحقهم من غير إضرار بالباقين، فلم يكره.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ - رضي الله عنه -: "إما أن تخفف بهم الصلاة، وإما أن تجعل الصلاة معنا" 28، وإطالةُ الركوع لأجل الداخل ضد التخفيف.
الجزء: 2 - الصفحة: 359
والجواب: أن هذا محمول على الإطالة التي تلحق فيها المشتقة، نحو ما فعل معاذ - رضي الله عنه -؛ بدليل ما ذكرنا.
واحتج: بأنه لو لم يكن للداخل، لكان يرفع، فإذا طوّل، فقد فعل جزءًا من الركوع لأجله، وهذا لا يجوز، ولهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله- 29: أخاف أن يكون شركًا؛ أي: يكون قد شرك بين الخالق والمخلوق في العبادة.
والجواب: أن الركوع لله تعالى، وإن كان يقصد به إدراك المأموم الركعة، وهذا كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل أن يصلي مع الذي فاتته الجماعة، فكانت صلاته لله تعالى، وإن كان يقصد أن يدرك صاحبه الجماعة، وكذلك الإمام يرفع صوته إذا كثرت الصفوف واتصلت؛ مثلما يكون يوم الجمعة في الجوامع، ولا يكون شرطًا، وإن كان قصد به الإعلام، كذلك ها هنا، وقد رُوي عن أحمد - رحمه الله - ما يشهد لهذا - ذكره أبو إسحاق في تعاليق كتاب العلل بإسناده - عن أبي بكر المروذي قال: قلت لأحمد: الرجل يدخل [المسجد] 30، فيصلي، فيرى فيه قومًا، فيحسن صلاته، هل عليه في ذلك شيء؟ قال: لا، تلك بركة المسلم على المسلم 31.
واحتج: بأن إطالة الركوع لأجل الداخل، فوجب أن يكره، كما لو
الجزء: 2 - الصفحة: 360
أطال على الحاضرين، ولحقهم المشقة.
والجواب: أنه إنما يكره ذلك؛ لما فيه من إلحاق الضرر، وها هنا لا ضرر عليهم، وفيه مراعاة لحقه، وتحصيل الجماعة له.
واحتج: بأنه لما لم ينتظر في السجود، كذلك في الركوع وما قبله.
والجواب: أنه لا فائدة للمأموم في الانتظار في السجود؛ لأنه لا يحتسب به غير فرضه، والله أعلم.
105 -