: والدلالة على أنه يسجد بعد السلام إذا سلم، وقد بقي عليه شيء12
الجزء: 1 - الصفحة: 419
من صلاته، وإذا تحرى، فبنى على غالب ظنه: ما تقدم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - 3، وعمران بن حصين - رضي الله عنه - 4، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سلَّم وقد بقي عليه شيء، سجد بعد السلام.
وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - في التحري قال فيه: "ويسجد بعد السلام" 5.
فإن قيل: لا يصح الاحتجاج بحديث أبي هريرة؛ لأن أبا هريرة كان يفتي بسجدتي السهو قبل أن يسلم 6، وروى عنه ابن المنذر 7، والدارقطني 8 بخلاف ما روى، لم يجز الاحتجاج به.
قيل له: لا نقول هذا، بل نحتج به، ولهذا قلنا: في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في بريرة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خيّرها 9، وإن كان من مذهبه أن
الجزء: 1 - الصفحة: 420
بيع الأمة طلاقها 10.
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة هذا في قصة ذي اليدين 11، وروى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلى أحدكم، فلم يدر أزاد أم نقص، فليسجد سجدتين وهو جالس، ثم يسلم" 12، والقول أولى من الفعل.
قيل له: إنما يكون أولى إذا لم 13، ونحن نحمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "سجد قبل السلام" في غير هاتين الحالتين.
فإن قيل: فالرواية مختلفة عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، فروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث وأربع، وأكبرُ ظنك على أربع، تشهدتَ، ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم" 14. = (2232)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، وأخرج البخاري في كتاب: العتق، باب: بيع الولاء وهبته، رقم (2536)، ومسلم في كتاب: العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق، رقم (1504) التخيير في حديث عائشة - رضي الله عنها -.
الجزء: 1 - الصفحة: 421
قيل له: الصحيح عن ابن مسعود متصلًا، وموقوفًا على خلاف هذا، وأنه يسجد بعد السلام، فالمتصل: ما رويناه عن الأثرم والنجاد 15، والموقوف: ما رواه أحمد - رحمه الله - في المسند قال: نا محمد بن فضيل قال: نا خصيف: حدثني أبو عبيدة بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "إذا شككت في صلاتك وأنت جالس، فلم تدر ثلاثًا صليت أم أربعًا، فإن كان أكبرُ ظنك أنك صليت ثلاثًا، فقم فاركع ركعة، ثم سلم، ثم اسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم، وإن كان أكبرُ ظنك صليت أربعًا، فسلم، وأسجد سجدتين، ثم سلم" 16.
فإن قيل: فما رُوي في حديث أبي هريرة، وابن مسعود - رضي الله عنهما - منسوخ بما رُوي عن الزهري - رضي الله عنه -: أنه قال: كان آخر الأمرين السجود قبل السلام 17.
ويدل عليه: أن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - روى السجود قبل السلام 18، وهو متأخر الإسلام.
قيل له: لا خلاف في جواز الأمرين جميعًا، وإنما الكلام في الأولى
الجزء: 1 - الصفحة: 422
والأفضل، فلا معنى لادعاء النسخ فيه.
فإن قيل: يحمل ما رويتم على السلام الذي في التشهد، وهو قوله: السلام [عليك] 19 أيها النبي؛ بدلالة حديث ابن بحينة - رضي الله عنه -، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد قبل السلام 20، وكذلك حديث أبي سعيد - رضي الله عنه -، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلْيبنِ على اليقين، ويسجد قبل السلام" 21، وحديث عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - 22.
قيل له: في أخبارنا ما يمنع من هذا التأويل، أما حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، ففيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تشهد، ثم سلم، ثم كبر فسجد، ثم كبر فرفع رأسه، ثم تشهد 23، وفي حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - 24 نحو ذلك؛ لأنه قال: فصلَّى الركعة التي ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، وهذا يقتضي صلَّى جميع الركعة، ثم سجد بعد السلام، وكذلك في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصواب، فليتمه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين" 25، وهذا يقتضي السجود بعد تمام
الجزء: 1 - الصفحة: 423
الصلاة؛ لقوله: "فليتمه، ويسلم"، والتمام عادة عن الفراغ، وعلى أن السلام إذا أطلق، عقل منه السلام الذي يتحلل به من الصلاة، ألا ترى أنه قال: "تحليلها التسليم" 26، فعقل منه السلام المعهود، وهو الذي يقع به التحلل فيها، فمن استعمل أخبارنا في السلام المذكور في التشهد، فقد أزالها عن ظاهرها، وما رووا من الأخبار، فنقول بظاهرها فيما وردت فيه، غير الحالتين اللتين ذكرناهما، ومن استعمل الأخبار على ظاهرها، كان أسعد ممن صرف بعضها عن مقتضاها.
وأيضًا: فإن الصلاة عبادة لها تحليل وتحريم، فكان من أفعالها ما يفعل بعد التحليل منها؛ كالحج منه ما يُفعل بعد التحلل، وهو طواف الزيارة، والرمي.
ولأنها عبادة لا يقف وجوبها على وجود مال، فكان جبرانها ما يفعل بعد الخروج؛ كالصوم من جبرانه ما يُفعل بعد الخروج منه، وهو الصوم في كفارة الوطء.
ولا معنى لقولهم: إن زمان الصوم لا يقبل غيره، فلهذا وجب تأخير
الجزء: 1 - الصفحة: 424
صوم الكفارة بعد الخروج من الصيام، وقبل السلام، وهو محل لفعل السجود، فلهذا وجب فعله قبل التحلل؛ لأنه لا يمتنع أن يكون محلًا للسجود، ويؤخر عنه، كما أن قبل يوم النحر زمان للصوم لا يجوز صوم السبعة في دم التمتع، بل يجب تأخيره، كذلك ها هنا.
واحتج: بأنه سجود تعلق بالسهو، فكان محله قبل السلام، دليله: سائر المواضع غير الموضعين.
والجواب عنه: ما تقدم في الفصل الأول مع أبي حنيفة - رحمه الله -.
36 -