مَسْألَة: أَنْفِحَةُ المَيْتَة (2)، واللبنُ الذي في ضَرْعها بعدَ موتها نجسٌ في أصح الروايتين:
نص على ذلك في رواية الميموني 3، ومثنى 4، وابن منصور 5، وفرق بين اللبن وبين البيض، وقال: اللبن سائل مختلط 6، وبهذا قال الشافعي - رحمه الله - 7.12
الجزء: 2 - الصفحة: 61
وروى حنبل عنه 8: أنفحة الميتة طاهرة؛ لأن اللبن لا يموت.
وهذا نص على طهارتها، وعلّل بأنه لا يحلُّه الموت، وهذا موجود في اللبن.
وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - 9.
وجه الرواية الأولى، وهي أصح: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء" 10، والأنفحةُ شيء من الميتة؛ لأنها جلدة فيها مثلُ الشحم الرقيق؛ = وإليه ذهبت المالكية.
ينظر: التلقين ص 51، والكافي ص 188.
الجزء: 2 - الصفحة: 62
كالمخ الذي يكون في العظم، ويكون في جوف الجدي 11 الرضيع، ولا يمكن إخراجها في حياة الجدي، فلا يجوز الانتفاعُ بها بظاهر الخبر.
فإن قيل: ليس ذلك من الميتة؛ لأنه لا يَحُلُّها الموت.
قيل له: قد بينا أنها جلدة فيها مثلُ المخ، وما هذا صفته، فهو من الميتة؛ ولأن المخ في العظم نجس، فأولى أن تكون الأنفحة؛ لأن العظم مختلَف في نجاسته، وهذا ليس متفقًا على نجاسته، فهو بالتنجيس أشبه؛ ولأنه ليس محلوبًا فيما لا يحل أكله لا لحرمته، فوجب أن يكون نجسًا ما ذكرنا، ولا تأثير لذلك اللبن؛ لأن اللبن، والدهن، وسائر المائعات في النجاسة بحصوله في الوعاء النجس سواء، ولكن يقال: مائع من غير جنس الماء لاقى 12 نجاسة، فوجب أن ينجس، أصله: إذا حلت في إناء نجس.
= فيه بكون حامله مجهولًا، ونحو ذلك، مما لا يسوغ رد الحديث به).
الفتاوى (21/ 93)، وقد ذهب إليه الإمام أحمد في مسائل عبد الله رقم (43)، بل قال في مسائل ابن هانئ رقم (109): (وأما حديث ابن عكيم، فهو الذي أذهب إليه؛ لأنه آخر أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -)، ونقل ابن قدامة في المغني (1/ 91)، والكافي (1/ 40): أن الإمام أحمد قال: (إسناد جيد)، وقال: (ما أصلح إسناده! )، ونقل كلام الإمام أحمد ابنُ تيمية في الفتاوى (21/ 93)، وابنُ عبد الهادي في التنقيح (1/ 104). وينظر: شرح علل ابن أبي حاتم لابن عبد الهادي ص 73.
الجزء: 2 - الصفحة: 63
وقولنا: (مائع) احترازٌ من: جامد لاقى نجاسة يابسة.
وقولنا: (من غير جنس الماء) احتراز من: الماء الكثير؛ فإنه لا يتنجس بملاقاة النجاسة؛ لكونه ماء.
واحتج المخالف: بما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "أُتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بغزوة الطائف 13 بجبنة، فقال: أين يصنع هذا؟ قالوا: بأرض فارس، قال: اذكروا اسم الله، وكلوا" 14، ومعلوم أن ذبائح المجوس ميتة، وقد أباح أكلها، مع العلم أنها من صنعتهم، والمجوس يصنعون الجبن من أنفحة الميتة، فلو كانت نجسة، لما أباح لهم الجبن الذي يصنع منها.
والجواب: أنه ليس بمعلوم أنه مصنوع من أنفحة الميتة، ويجوز أن يكون من أنفحة المذكاة؛ لأنه قد كان فيهم اليهود والنصارى، وكانت لهم ذبائح، وكان المجوس لا يرون الذبح، والأصل الطهارة، فلم يجب تحريمه إلا بيقين.
واحتج: بما روي: أن رجلًا أتى عليًا - رضي الله عنه -، [فقال] 15: إنا بالجبل تموت لنا السخلة، فنأخذ من أنفحتها، ونجعل ذلك في اللبن، فينعقد،
الجزء: 2 - الصفحة: 64
أفيجوز أكلها؟ فقال علي - رضي الله عنه -: سَمِّ الله، وكُلْ 16.
ولأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، و- رضي الله عنهم - فتحوا بلاد المجوس، ولم يكونوا يمتنعون من أكل الجبن الذي يصنعونه، مع علمهم بأنهم يصنعونه من أنفحة الميتة.
والجواب: أن المروي عن علي - رضي الله عنه - لا يُعرف، وقد روى ابن المنذر 17 ما يدلُّ على ضعفه: أنه سئل عن الدجاجة، وفي جوفها بيضة، أيحل أكلها؟ فقال: لا يحل أكلها، ومنع من أكل البيض، فلا يجوز أن يبيح الأنفحة من الميتة.
وأما الذي روي عن الصحابة - رضوان الله عليهم -: أنهم فتحوا بلاد المجوس، ولم يمتنعوا من أكل الجبن، فقد أجبنا عنه، وبيّنا أنه غير معلوم أنه كان من ذبح المجوس؛ ولأن المجوس ما كانوا يذبحون، وكانت اليهود والنصارى تذبح.
واحتج: بأنه يجوز أخذُها في حال حياة الحيوان، والانتفاع بها، فيجب أن تكون بعد موتها، كحالها في حال الحياة؛ كالبيض.
والجواب: أن هذا كلام من لا يعرف الأنفحة؛ لأنا قد بيّنا أنها
الجزء: 2 - الصفحة: 65
جلدة فيها مثل الشحم الرقيق؛ كالمخ يكون في جوف العظم، وتكون في جوف الجدي، وهذه لا يمكن إخراجها في حياة الجنين 18، وأما البيض، فإن لم يكن صلبًا قشره عليه، فلا يجوز أكلُه من الميتة، وإن كان قد صلب قشره الأبيض، فإنه يحل؛ لأن ما فيه لا ينجس بمجاورة النجاسة؛ لأن قشره يمنع وصول النجاسة إليه.
واحتج: بأن ملاقاة اللبن لضرع ميت إنما هو ملاقاة لنجاسة الباطن، ونجاسة الباطن لا حكم لها، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا﴾ [النحل: 66]، فأخبر أنه يخرج من هذين وهو طاهر، وكذلك المني لا ينجس بجريانه في مجرى البول؛ لأنه باطن، كذلك ها هنا.
والجواب: أن الآية لا تدل على أن اللبن ملاقٍ للفرث والدم، وإنما أخبر الله تعالى شربه، ويكون ملاقيًا لهما، وبينه وبينهما حُجب في الخِلقة، وقد قيل في السيرة: إن الطعام يحصل منه الفرث في الكرش، والدم في العروق، واللبن في الضرع، فتخلص منه ثلاثة ألوان مختلفة بقدرة الله تعالى، وأما المني، فقد قيل أيضًا: إن مجراه غير مجرى البول، وعلى أنه لو كان مجراهما واحد [اً]، فإنما لم ينجس؛ لأنه لا مجرى له غيره، فلا ينفك عنه، فجرى فيه العفو، وليس كذلك لبنُ الميتة؛ لأن موت الشاة وفي ضرعها لبن ليس مما يكثر ويدوم، ولبنها طولَ عمرها غيرُ ملاقٍ للنجاسة، وإنما ذلك يحصل وقت الموت، فلم تدعُ الضرورة
الجزء: 2 - الصفحة: 66
إلى إسقاط حكمه، على أنهم قالوا في لبن الميتة: هو طاهر، فلم يجعلوا للنجاسة الباطنة حكمًا، وقالوا في المني: إنه نجس، فجعلوا للنجاسة الباطنة حكمًا (1)، وهذا تناقض منهم، وعلى أن النجاسة الباطنة تؤثر؛ بدليل: أن من أكل طعامًا، ثم تقيأه في الحال، نجس؛ لأجل حصوله في الباطن.
68 -