التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة ت الفريحمَسْألَة: القعود بين الخطبتين ليس بواجب:

نص عليه في رواية بكر بن محمد عن أبيه 1: إذا خطب بهم، فأحب أن يجلس بين الخطبتين، فإن لم يجلس، وصلى، تجزئهم صلاتهم، قد فعل ذلك المغيرةُ بن شُعبة - رضي الله عنه - 2، وغيره.

وبهذا قال أبو حنيفة 1، ومالك 2 - رحمهما الله -. وقال الشافعي - رحمه الله -: هو واجب، إن تركه، لم تجزئه الخطبة 3. وحكى أبو إسحاق في تعاليقه عن أبي بكر النجاد: أنه لا يجوز تركها 4، وحكى عن أبي بكر الخلال: جواز تركها 5. دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9], ولم يشرط الجلوس.
وروى أيضًا أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب خطبة واحدة قائمًا، فلما ثقل وسمن، جعلها خطبتين، جلس بينهما جلسة يستريح فيها 6. وروى أيضًا بإسناده عن طاوس قال: لم يكن أبو بكر ولا عمر - رضي الله عنهما - يقعدون على المنبر يوم الجمعة، وأولُ من قعد معاويةُ - رضي الله عنه - 7.

وروى بإسناده عن أبي إسحاق 1 قال: رأيت عليًا - رضي الله عنه - كان يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ 2. ولأنه قال: أتى بألفاظ الخطبة على وجه التعظيم، فأجزأه من الخطبة؛ كما لو خطب خطبتين، وجلس بينهما، ولأنهما فضلان من الذكر يتقدمان الصلاة، فلم يكن من شرط صحتهما جلوسٌ بينهما؛ دليله: الأذان والإقامة.
واحتج المخالف: بما روى جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم 3، وكذلك روى ابن عمر 4، وابن عباس 5 - رضي الله عنهم -. والجواب: أنا نحمل ذلك على المسنون.

فإن قيل: فعلَه - عليه السلام - بيانًا للآية، وفعلُه إذا ورد مورد البيان، اقتضى الوجوب.
قيل له: قد بين الواجب والمستحب، فنحمله على المستحب بما تقدم.

161 -

جارٍ التحميل