مَسْألَة: المستحب في خسوف القمر أن يصلوا في جماعة، كما يصلون في كسوف الشمس:
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية إسماعيل بن سعيد: صلاة كسوف الشمس، والقمر، والزلزلة يصلون جماعة ثمان ركعات وأربع سجدات.
فنص على أن الجماعة مستحبة في خسوف القمر مثل كسوف الشمس، وبه قال الشافعي رحمه الله.
قال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: ليس في خسوف القمر صلاة مسنونة في جماعة، ويصلون في بيوتهم فرادى كهيئة صلاتنا.
دليلنا: ما روى ابن المنذر في كتابه عن الحسن البصري - رضي الله عنه - قال: خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة في زمان علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -، ثم خرج يصلي بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين ثم ركب، وقال: إنما صليت كما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي.
وهذا يدل على أن السنة في خسوف القمر كالسنة في كسوف الشمس.
الجزء: 4 - الصفحة: 107
فإن قيل: هذا غير معروف، وإنما المعروف: أنه صلى بنا لكسوف الشمس.
قيل له: قد بينا أن ابن المنذر نقله في كتابه، وأيضًا ما روى عن عائشة، وابن عمر - رضي الله عنهم - وغيرهما، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى لكسوف الشمس وقال: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"، فوجه الدلالة: أنه سوى بينهما في الأمر بالصلاة، والفزع إليها، فدل على أن حكمهما واحد في صفة واحدة.
فإن قيل: الخبر يقتضي الحث على الصفة، وليس فيها بيان الصفة.
قيل له: لما سوى بينهما في الأمر دل على التسوية في الصفة.
والقياس: أنه كسوف يُصلى لأجله فكان من سنته الجماعة، دليله: كسوف الشمس، وإن شئت قلت: كسوف واحد النيِّرين، فاستحب له الاجتماع كالشمس.
واحتج المخالف: بما روى علقمة عن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله تعالى وسبحوه وكبروه حتى تنجلي"، ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى ركعتين.
وروي أنه قال: "فإذا رأيتم شيئًا من هذه الأفزاع فافزعوا إلى الصلاة"، ولم يذكر الجماعة.
الجزء: 4 - الصفحة: 108
والجواب: أنا قد جعلنا ذلك حجة لنا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الكسوف في جماعة ثم عطف عليها الأمر بالصلاة لخسوف القمر، فدل على اتفاقهما في الصفة.
واحتج: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
والجواب: أن هذا عموم نخصه، ونحمله على غير الخسوف بما تقدم.
واحتج: بأنه قد كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - خسوف القمر كما كان كسوف الشمس، فلو كانت فيه صلاة مسنونة في جماعة، لفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو فعل لنقل كما نقل في كسوف الشمس.
والجواب: أنه قد فعل ذلك وأمر به على الوجه الذي رويناه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره.
واحتج: بأن خسوف القمر في الغالب يتفق في وقت يتعذر على الناس الاجتماع فيه، فيجب أن لا يكلفوا ذلك كما نقول في صلاة الليل.
والجواب: أن الكسوف قد يكون في وقت العتمة في وقت لا يتعذر الخروج، ويكون بمنزلة خروجهم [إلى] العشاء الآخرة، وعلى أن المشقة لا تسقط العبادات؛ لأنها موصولة بالمشاق، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات"، وعلى أن هذا يبطل بالتراويح.
واحتج: بأنها صلاة تفعل ليلًا لحادث أشبه الزلزال.
الجزء: 4 - الصفحة: 109
والجواب: أنه يستحب فعل ذلك في جماعة، وقد نص عليه أحمد رحمه الله في رواية إسماعيل بن سعيد، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، وعلى أن لا تأثير له عندك؛ لأن الزلازل لا فرق بين أن تكون ليلًا أو نهارًا.
واحتج: بانها صلاة نافلة تختص بالليل في رمضان وغيره، أشبه النافلة بالليل.
والجواب: أن اعتبار هذه بكسوف الشمس أولى بغيرها من النوافل؛ لما بينهما من المشاركة في الاسم والمعنى، والله أعلم.
29 -