ى بعد العصر، وبعد الفجر الركعتين، أو على جنازة إلى أن تطفل الشمس للغروب، وإذا ذكر فائتة.
وقد أطلق القول في رواية حرب 3 - وقد سئل عن الصلاة بمكة -، فلم ير بها بأسًا، وكرهها بغير مكة جدًا، وإنما أراد بالصلاة بعد العصر بمكة: ركعتي الطواف.
وقال أبو حنيفة 4 - رحمه الله -: هما سواء في ركعتي الطواف وغيرهما.12
الجزء: 2 - الصفحة: 124
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يجوز أداء النوافل كلها في جميع الأوقات في مسجد مكة 5.
دليلنا: ما تقدم من الأخبار في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات من غير تخصيص مسجد 6، ولأن الفساد من جهة الوقت أحد نوعي الفساد، فاستوى فيه المسجد الحرام، وغيره من المساجد.
دليله: الفساد بعدم الشرائط من الطهارة، والستارة، وغير ذلك.
واحتج المخالف: بما روى الشافعي - رضي الله عنه - 7 عن أبي ذر - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلُع الشمس، إلا بمكة ثلاثًا" 8.
وروى جبير بن مطعم - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "يا بني عبد مناف!
الجزء: 2 - الصفحة: 125
من وليَ منكم من أمر الناس شيئًا، فلا ينهي أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" 9.
وروى عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا يطوف بالبيت ويصلي؛ فإنه لا صلاة بعد الصبح حتي تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتي تغرب الشمس، إلا عند هذا البيت يطوفون ويصلون" 10.
والجواب: أن هذا كله محمول علي ركعتي الطواف؛ بدليل: ما ذكرنا من الأخبار، وعلى أنه قد قيل في قوله: "لا صلاة بعد العصر وبعد الفجر إلا بمكة" معناه: ولا بمكة؛ كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92] معناه: ولا خطأً.
فإن قيل: لا يصح حمله: ولا بمكة؛ لأن الزجاج 11 قال: العرب
الجزء: 2 - الصفحة: 126
العرب تضع (إلا) بمعني الواو، و (إلا) بمعني (ولا) وأنشده:
وكلُّ أخٍ مفارقُهُ أخوهُ ... لَعَمْرُو أَبيك إلَّا الفرقَدانِ 12
ومعناه: والفرقدان يفترقان أيضًا، فتكون (إلا) بمعني (الواو) فقط 13، قال: وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ معناه: والذين ظلموا منهم، فلا تخشوهم، واخشوني 14، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ معناه: إلا أن يقتل خطأ، فكفارته 15، ولا يجوز: ولا خطأ؛ لأنه لا يدخل في النهي.
قيل له: فيكون معناه: إلا بمكة ومكة، كما قلت.
واحتج: بأنها تتعلق بالبيت، فوجب أن يجوز فعلها فيه في جميع الأوقات؛ دليله: الطواف 16.
والجواب: أن الطواف يختص بالمسجد الحرام، ولا يصح منه إلا فيه، فلهذا جاز فعله في جميع الأوقات، وما تنازعنا فيه أحد نوعي الفساد، فاستوى فيه المسجد الحرام وغيره؛ دليله: ما ذكرنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 127
وإن قاسوا على ركعتي الطواف.
والجواب عنه (1): أن ركعتي الطواف مختلَف في وجوبها، فلها مزية، والثاني: أن لها سببًا، وللسبب عند مخالفينا تأثير في الجواز، يجوز فيها الصلاة التي لها سبب، ولا يجوز فيها ما لا سبب له، ولأن تلك تابعة للطواف النفل والفرض، فلما جاز متبوعه في هذه الأوقات، جاز التبع، وليس كذلك النفل الذي له سبب؛ لأنها متبوعة في نفسها، فلم يجز في الوقت المنهي كالتي لا سبب لها.
واحتج: بأن الطواف صلاة، وقد أبيح فعلُه في جميع الأوقات، كذلك الصلاة.
والجواب: أن الصلاة التي تتبعه تجوز في سائر الأوقات، على أن الطواف ليس بصلاة في الحقيقة، ألا ترى أنه أبيح فيه الكلام، والأكل، وهو مبني على المبني، فهو كالسعي، وما اختلفنا فيه صلاة حقيقة، فلما لم يجز في هذه الأوقات في غيره من المساجد، كذلك في هذا المسجد.