مَسْألَة: يجوز قضاء الفوائت في الأوقات المنهيِّ عن صلاة التطوع فيها:
نص على هذا في رواية الحسن بن ثواب، فقال: أما الفريضة، فليصلِّها أيَّ وقت شاء 2. وكذلك قال في رواية حنبل 3، وصالح 4، وقال: يصلي إذا ذكر فائتة في الساعات التي نهي عنهن فيها 5، وبهذا قال مالك 6، والشافعي 7 - رضي الله عنهما -.1
الجزء: 2 - الصفحة: 94
وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لا يجوز قضاؤها في ثلاثة أوقات: عند طلوع [الشمس]، وعند الزوال، وعند الغروب، ويجوز قضاؤها عنده بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر 8.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من نسي صلاة، فليصلِّها إذا ذكرها، لا كفارةَ لها إلا ذلك" 9، قال: ثم سمعته بعد ذلك يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78] 10.
وروى أيضًا بإسناده في لفظ آخر عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها" (2)، فعمَّ ولم يخصَّ، فهو على عمومه في سائر الأوقات إلا ما خصه الدليل، ولأنه وقت لذكر الفائتة، فجاز أن يكون وقت لجواز فعلها، أصله: ما عدا الأوقات الثلاثة.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لا يكره فعلُ التطوع فيها، وهذه يُكره فعلُ التطوع فيها.
قيل: هذا يبطل بما بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر؛ فإنه يكره فعلُ التطوع فيها، وهذه يكره فعل التطوع فيها، ولا يكره فعل الفائتة، وكذلك عصر يومه يجوز عند غروب الشمس، ولا يجوز التطوع في ذلك الوقت؛ ولأن وقت الغروب تجوز عصر يومه فيه، فجاز قضاء
الجزء: 2 - الصفحة: 95
فرضه فيه، أصله: وقت العصر، ولأنها صلاة مفروضة، فجاز أداؤها في حال غروب الشمس عصرَ يومه.
فإن قيل: إنما جاز عصر يومه في ذلك الوقت؛ لأنه وقت لوجوبه، ألا ترى أن الكافر إذا أسلم في ذلك الوقت، لزمه الصلاة؟ وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنها صلاة فائتة.
قيل له: لا فرق بينهما؛ لأن هذا الوقت أيضًا وقتٌ لوجوب الفائتة، لأنها في ذمته، وما كان في الذمة، فجميع الأوقات وقتٌ لوجوبه.
واحتج المخالف: بما روي في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يتحرى أحدُكم فيصلِّي عند طلوع الشمس، وعند غروبها؛ فإنها تطلُع بين قرنَي الشيطان" 11. وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: "نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلي في ثلاث ساعات، وأن نقبر فيهن موتانا: عند طلوع الشمس، وعند الزوال، وعند الغروب" 12. وعن عمرو بن عَبَسَة - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله! هل في ساعات الليل والنهار ساعة منهي عن الصلاة فيها؟ فقال: "أما الليل، فالصلاة فيه مقبولة مشهودة حتى تصلي الفجر،
الجزء: 2 - الصفحة: 96
ثم اجتنب الصلاة حتى ترتفع الشمس وتبيضَّ؛ فإن الشمس تطلُع بين قرنَي شيطان، فإذا ابيضَّت، فالصلاة مقبولة مشهودة حتى ينتصف النهار، فإذا مالت، فالصلاة مقبولة محضورة حتى تصفرَّ الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان" 13.
والجواب: أن هذه الأخبار كلها محمولة على صلاة التطوع؛ بدليل ما ذكرنا من حديث أنس - رضي الله عنه -، وحديث أنس خاص في الفائتة، وهذه الأخبار عامة في الفائتة، والنافلة، فيجب أن يقضى بالخاص على العام.
فإن قيل: فأخبارنا خاصة في الأوقات الثلاثة، وخبركم عام في جمع الأوقات.
قيل له: كل واحد من الخبرين خاص من وجه، وعام من وجه، فتساويا في الظاهر، ويجب طلبُ الترجيح لأحدهما على الآخر، والترجيح معنا من وجهين: أحدهما: أن خبرنا قد قضى على خبرهم في عصر يومه، فيجب أن يقضى عليه في موضع الخلاف.
الثاني: أن تخصيص الصلاة أولى من تخصيص الوقت؛ لأن المقصود هو الصلاة.
واحتج: بأن كل وقت نُهي عن أداء التنفل فيه لأجل الوقت، نُهي عن قضاء الفوائت فيه، أصله: يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق،
الجزء: 2 - الصفحة: 97
ولا يلزم عليه عصرُ يومه؛ لأنه غير فائت، ولا يلزمه عليه بعد صلاة الفجر والعصر؛ لأنه لم ينه عن النفل فيهما لأجل الوقت، بل لأداء فرض الوقت، ألا ترى أن له يتنفل قبل أن يصلي الفرض؟
والجواب: أن المنع من التطوع في هذا الوقت لا يدل على المنع من الفرض، كما نقول: بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وكما قالوا: في عصر يومه عند غروب الشمس يجوز، وإن لم يجز التطوع به، كذلك في مسألتنا لا يمتنع أداء القضاء في هذه الأوقات، وإن لم يجز أداء النفل فيها، وبهذا المعنى يفارق الصوم؛ لأنه ليس من جنسه ما يجوز فعله في الوقت المنهي عنه، وهو يوم الفطر، وأيام التشريق، ومن جنس الفرض ما يجوز فعله في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وهو ما ذكرنا، فبان الفرق بينهما، وعلى أن مهنَّا قال 14: سألت أحمد - رحمه الله -: عن رجل كان عليه صومُ يومٍ من رمضان، فصام يومَ الفطر؟ فقال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صيام يوم الفطر 15، فقلت: ترى عليه إعادة ذلك اليوم؟ قال: إن صام، لم يضره.
ولم يقل: عليه إعادة، فظاهر هذا: أنه يعتد 16
الجزء: 2 - الصفحة: 98
بالقضاء في يوم العيد، وإن كان منهيًا عنه، والوجه فيها: أنها عبادة يصح قضاؤها في غير الوقت المنهي عنه، فصح في الوقت المنهي عنه.
دليله: الصلاة، والله أعلم.
73 -