مَسْألَة: سجود الشكر مستحب:
نص عليه في رواية حنبل، فقال: لا بأس به، وقد فعله أصحاب1 = الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات).
الجزء: 1 - الصفحة: 310
النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو خير يأتيه، وشكر لله 2، وكذلك نقل أبو طالب عنه: في الرجل يأتيه الأمر يسره: يسجد للشكر (1)، وبهذا قال الشافعي - رحمه الله - 3.
وقال مالك 4، وأبو حنيفة 5 - رحمهما الله -: هو مكروه.
دليلنا: ما روى حذيفة - رضي الله عنه - قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتقدمني، فوجدته ساجدًا، فوقفت أنتظره، فأطال، ثم رفع، فقلت له: لقد خشيت أن يكون الله تعالى قد قبض روحك في سجودك، فقال: "إني لما كنت حيث رأيتني، لقيني جبريل، فأخبرني عن الله تعالى أنه قال: من صلى عليك صلاة، صليت عليه عشرًا، فسجدت شكرًا لله تعالى" 6، وهذا نص.
الجزء: 1 - الصفحة: 311
وروى أبو بكر بإسناده عن معاذ - رضي الله عنه - قال: جئت أطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منزله، فلم أجده، فخرجت في طلبه، فوجدته عند سلع 7 ساجدًا حتى أهوى، فجلست خلفه أنتظره، فلم يزل ساجدًا حتى ظننت أن الله تعالى قد قبض روحه، فرفع رأسه، فقال: "ألا أخبرك؟ "، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "أتاني جبريل - عليه السلام - قال: يا محمد! إن ربك يقول: ما أصنع بأمتك من بعدك؟ قلت: ذاك إلى الله يصنع بهم ما أحب، فذهب ثم رجع، فقال: إن ربك يقول: إني أَسُرُّكَ في أمتك، فحمدتُ الله سرورًا لأمتي، وشكرته، ولو علمت شيئًا أجلَّ من السجود، لفعلت" 8.
فإن قيل: أنتم تستحبون سجود الشكر عند تجدد نعمة ظاهرة، وليس هذا من النعمة الظاهرة، فلا دلالة في الخبر على موضع الخلاف.
قيل له: نزول جبريل - عليه السلام - بهذا من النعم الظاهرة، والبشارة السارة التي تقتضي السجود لشكرها، ويزيد على كل نعمة مما يستحب له السجود؛ من سلامة مال من غرق، أو سلامة دار من حرق، أو بلوغ أمل من قربة وطاعة، وتجدد رزق من مال، وولد، وزوجة، وما أشبه ذلك، وهذا لا يخفى على أحد، فسقط هذا السؤال.
فإن قيل: نحمل هذا على الجواز، ونحن نجيز ذلك.
قيل له: مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - المعروف: أنه مكروه،
الجزء: 1 - الصفحة: 312
فلا معنى لتأويل الخبر على خلاف المذهب، على أن الظاهر من أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها سنة تتبع، وإن لم يتكرر منه ذلك، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج في عمره مرة واحدة، وأفعاله فيها سنة، وإن لم يتكرر منه، ولم يداوم على فعله، وكذلك الاستسقاء بالصلاة والخطبة لم يفعله إلا مرة، وذلك سنة مستحبة.
وعلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد داوم على ذلك، وتكرر منه، وهو ما روى الشالنجي 9، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو بكر عبد العزيز بإسناده عن أبي بكرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه الأمر يسر به، يَخِرُّ ساجدًا شكرًا لله تعالى 10.
وهذا يدل على أنه كان يسجد لِما يسره، ونحن نعلم أن ما سره تكرر منه، وكثر، فوجب أن يكون السجود قد تكرر منه وكثر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يداوم على فعل المكروه، ولا على فعل تركُه أولى من فعله.
وروى الشالنجي أيضًا بإسناده عن يحيى بن الجزار 11: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 1 - الصفحة: 313
مر به رجل به زَمانة 12، فسجد، وسجد أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - 13.
وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبصر نغاشيًا، فسجد، ثم رفع رأسه، وقال: "نسأل الله العافية" 14، ويريد بالنغاشي 15: الخلق صغير الجثة 16.
وأيضًا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "سجدها نبي الله داود - عليه السلام - توبةً، وسجدناها شكرًا" 17، وإذا سجد لنعمة على غيره، فالنعمة عليه أولى بالسجود للشكر.
وأيضًا: فالمسألة إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -. = (صدوق، رمي بالغلو في التشيع).
ينظر: التقريب ص 658.
الجزء: 1 - الصفحة: 314
وروى الشالنجي بإسناده عن أبي عون 18 قال: بلغ أبا بكر - رضي الله عنه - فتحُ اليمامة، فسجد لله تعالى 19. وروى ابن المنذر في كتابه 20: أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - سجد حين وجد ذا الثدية 21، ورواه أيضًا الشالنجي عن علي - رضي الله عنه -. وروى أيضًا عن كعب بن مالك - رضي الله عنه -: أنه لما نزلت توبته، خر ساجدًا 22.
الجزء: 1 - الصفحة: 315
وروى أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها -: أنه كان عندها شيء أعطاها النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه في سَفَط 23، فلما قُتل عبد الله - رضي الله عنه -، ذهب، وأرسلت في طلبه رجلًا، فجاءها به، فسجدت 24، وهذا كله يدل على ثبوت سجود الشكر وشهرته بينهم.
واحتج المخالف: بأن نعم الله - عز وجل - على نبينا - صلى الله عليه وسلم - كانت ظاهرة، وآلاؤه لديه متواترة، من حين بُعث إلى أن قُبض، فمما أنعم الله: أنه اصطفاه بالرسالة، واجتباه للنبوة، وائتمنه على وحيه، وصيَّره سفيرًا بينه وبين خلقه، وجعله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وأيده بالبراهين الواضحة، والحجج اللائحة، والمعجزات الدالة على صدقِه، وصحةِ ما جاء به من عند ربه - عز وجل -، ثم مكّنه من أعداء الدين، وملَّكه رقابهم، وأموالهم، ولم ينقل عنه أنه سجد لشيء من ذلك شكرًا لله تعالى، فلو كان سجود الشكر مسنونًا 25 مستحبًا، لما جاز أن يتركه عند هذه النعم المتجددة، ولو فعل، لنُقِل، فلما لم ينقل، دل على أنه لم يفعل، وأنه غير مسنون 26.
الجزء: 1 - الصفحة: 316
والجواب: أنه يجب أن يكون قد سجد لذلك؛ لما روى أبو بكرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان إذا أتاه أمر يسره، خر ساجدًا شكرًا لله - عز وجل - 27، وعلى أنه ليس بواجب، فيجوز تركه، ولا يدل أنه ليس بمسنون 28، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يترك التكرار في أعضاء الوضوء، ويقتصر على مرة 29، ومرتين في أوقات 30، ويستوفي الثلاث في أوقات 31، وكذلك استسقى بالصلاة مرة 32، واستسقى بالدعاء أخرى 33، وكان فعله لذلك كله سنة، وتركه إياه لا يدل على أنه ليس بسنة، كذلك ها هنا.
واحتج: بأن الناس شكوا إليه القحط، وقالوا: هلكت المواشي 34،
الجزء: 1 - الصفحة: 317
وأجدبت الأرض 35، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - واستسقى، فأرسلت السماء عزاليها 36، فدام المطر أسبوعًا، ثم شكوا إليه كثرةَ المطر، فقال: "اللهم حوالينا ولا علينا، على الآكام 37، ومنابت الشجر"، فتقشعت السماء حتى صارت كالإكليل 38 حول المدينة.
فليت شعري! أي نعمة أكثر وأظهر؟ ثم لم ينقل أنه سجد لله - عز وجل -.
والجواب عنه: ما تقدم من الوجهين:
أحدهما: أن حديث أبي بكرة 39 يدل على أنه سجد، وإن لم يُنقل.
والثاني: أنه قد كان يترك ما هو مسنون، ولا يدل على أنه ليس = النهاية في الغريب (مشى).
الجزء: 1 - الصفحة: 318
بمسنون 40، مثل تكرار الغَسل، والاستسقاء بالصلاة، كذلك ها هنا.
واحتج: بأن الإنسان لا يخلو في كل وقت من نعم يجددها الله - عز وجل - عنده، أو نقمة يصرفها عنه، فلو كان السجود مسنونًا مستحبًا لها، لوجب أن يسجد في كل وقت، وقد علم عجزه عن أداء ذلك والقيام [به] 41، وما أدى إلى ذلك لم يصح اعتباره.
والجواب: أنا إنما نستحبه عند تجدد النعمة الظاهرة، أو انصراف نقمة ظاهرة، وهذا لا يؤدي إلى ما قالوه، والفرق بينهما ظاهر معقول لكل أحد من الناس.
ولهذا ترى العقلاء يهنئون بالسلامة من خوف عارض في الحوار 42، ولا يفعلون ذلك في كل ساعة من ساعات النهار، وإن كان الله - عز وجل - يصرف عنهم البلاء والآفات، ويمتعهم بأسماعهم وأبصارهم وعقولهم وأديانهم، ويفرقون في التهنئة [بين] (2) النعم الظاهرة والباطنة، كذلك السجود للشكر يتعلق بإحداهما دون الأخرى.
واحتج: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم أهل البلاء، فسلوا الله العافية" 43، وهذا يدل على أنه لا يسجد.
الجزء: 1 - الصفحة: 319
والجواب: أنا نجمع بين الخبرين، ونقول: يسجد، ويسأل الله العافية.
والله أعلم.
28 -