مَسْألَة: يجوز للجُنُب أن يمرَّ في المسجد، ولا يقعد فيه:
نص على هذا في رواية صالح 2، وهو قول الشافعي - رحمه الله - 3.
وقال أبو حنيفة 4، ومالك 5 - رحمهما الله -: لا يجوز للجنب أن يمر فيه.
وقال داود 6: يجوز للجنب والحائض المكثُ في المسجد.1
الجزء: 2 - الصفحة: 67
دليلنا: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43]، فاسم الصلاة يعبَّر به 7 عن موضع الصلاة، قال الله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: 40]، وأراد به: موضع الصلاة؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ يعني: المجتاز؛ لأن العبور على فعل الصلاة لا يمكن، وإنما يحصل ذلك في موضع الصلاة، فيصير تقدير الآية: لا تقربوا موضع الصلاة وأنتم جنب إلا عابري سبيل، فاستثنى المجتاز من جملة النهي.
فإن قيل: الصلاة اسم لهذه الأفعال المخصوصة حقيقة، فيجب أن نحمله عليها.
قيل له: وقد يستعمل ذلك في بيوت الصلاة ومكانها، وهي المساجد، فحذف المضاف، وذلك لغة مستعملة، ومجاز متأوَّل مشهور في لغتهم يجرى مجرى الحقيقة؛ لكثرة استعماله، وفي القرآن الكريم نحو من ألف موضع، قال الله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82]؛ يعني: أهل القرية، وقال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 93]؛ يعني: حب العجل، وقال تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: 40]؛ أي: بيوت الصلوات، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: 110]؛ أي: بقراءة صلاتك، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: 34]؛ أي: صاحب قول الحق، وقال
الجزء: 2 - الصفحة: 68
تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]؛ أي: وقت الحج.
فإن قيل: فالآية الكريمة نزلت على قوم سكروا، فصلَّوا وغيّروا، وهذا يدل على أن المراد بالآية: الفعلُ دون الموضع.
قيل: اللفظ أعمُّ من السبب، فلا يجب حملُه عليه.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]، فشرط في حال قربه الصلاة علم ما يقول، وقرب موضع الصلاة لا يحتاج إلى القول حتى يكون علمه به في جواز قربه، والصلاة تحتاج إلى القول، فيجوز أن يكون علمه به شرطًا في جواز قربها.
قيل له: لم يشترط القول، وإنما شرط العلم بما يقولونه؛ ليميز بين ما يصلح في المسجد، وما لا يصلح فيه؛ لأن القبيح والهُجْر من الكلام لا يجوز في المسجد.
وجواب آخر: وهو أن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] أراد به: فعل الصلاة، وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43] أراد به: موضع الصلاة، فيكون تقديره: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، ولا تقربوا موضع الصلاة وأنتم جنب إلا عابري سبيل، وأراد بالصلاة في السكران: هو الفعل، وفي الجنب: هو المسجد، وإنما عطفه الجنب على السكران على اللفظ، وإن كان معناهما مختلفًا، وهذا جائز في اللغة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: 43]، فعطف الملائكة على نفسه - جل وعلا - في لفظ الصلاة دون معناها؛ لأن الصلاة من الله الرحمة والمغفرة، ومن
الجزء: 2 - الصفحة: 69
الملائكة الدعاء والاستغفار.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي﴾ معناه: إلا أن يكونوا مسافرين؛ بدليل: أنه إذا 8 فلان عابر سبيل، لا يعقل من إطلاقه مسكنه في المسجد أو نحو ذلك، وإنما يعقل من كونه مسافرًا، فيصير تقدير الآية: لا تصلوا وأنتم سكارى، ولا تصلوا وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين، فيجوز أن تصلوا في حال عدم الماء بالتيمم وأنتم جنب؛ لأن التيمم لا يرفع الجنابة، ولأنه قرن العبور بالسبيل، والسبيل هو الطريق، والمسجد لا يستطرق، فعلم أنه أراد المسافر.
قيل له: لا يصح حمله على المسافر من وجوه: أحدها: أن أبا بكر بن المنذر روى بإسناده 9 عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43]: إلا وأنت مار 10.
وروى بإسناده 11 .....................................
الجزء: 2 - الصفحة: 70
عن أبي عبيدة بن عبد الله [عن] 12 ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه كان يرخص للجنب أن يمر في المسجد مجتازًا، ويقول: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43] 13.
وروي: أن عمر - رضي الله عنه - كان يمنع الجنب من التيمم 14، وهذا يدل على أن معنى الآية عنده ما ذكرنا.
وقال جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: كان أحدنا يمر في المسجد مجتازًا 15.
وجواب ثانٍ: أن المسافر لا يسمَّى عابرَ سبيل، وإنما ذلك اسم للمجتاز من موضع إلى موضع، فأما المسافر الذي يتصل سيره، ويطول
الجزء: 2 - الصفحة: 71
ضربه في الأرض، فلا يسمَّى عابرَ سبيل، ولهذا لا يسمَّى من سار في طول دجلة عابرَ سبيل، ومن سار في عرضها يسمى عابر [اً]؛ لأنه يخف، ولا يطول، وتقول العرب: يوم عابر، وليلة عابرة: إذا لم تكن مطيرة 16، والعامة تسمي المطر الذي لا يلبث ولا يستقر: عابورة، وإذا كان كذلك، امتنع أن يسمى المسافر بذلك، وعلم أنه إنما يقال: عابر سبيل، في هذا المكان، أو في هذا البلد إذا كان لا يقيم، وإنما مجتازًا.
وجواب ثالث: وهو أنا إذا حملنا الآية على المكان، لم نحتج فيه إلى إضمار، وإذا حملوه على فعل الصلاة في السفر، احتاج إلى إضمارين: أحدهما: عدم الماء، والثاني: فعل التيمم، ومن استعمل ظاهر اللفظ كان أولى.
وجواب رابع: وهو أنا إذا حملناه على العبور، لم يشاركه غيره في حكمه، وهو المقيم الجريح أو القريح؛ لأنه إذا أجنب، تيمم وصلى، كما يتيمم المسافر ويصلي، فيجب أن يكون ما ذكرناه أولى؛ ليكون لتخصيصه بالذكر فائدة.
وجواب خامس: وهو أن إباحة الصلاة للجنب بالتيمم مستفاد [ة] بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فيجب أن نحمل هذه الآية على فائدة أخرى، وهو: العبور في المسجد.
وجواب سادس: وهو أن المراد بقوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي
الجزء: 2 - الصفحة: 72
سَبِيلٍ}: الجنب الذي لا يستبيح فعل الصلاة بالتيمم، فوجب أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾: الجنب الذي لا يستبيح فعل الصلاة بالتيمم؛ لأنه استثناء، والاستثناء يكون من جنس المستثنى منه.
والقياس: أنه مكلف أمن تلويث المسجد من غير تنجيس، فوجب أن لا يمنع من دخوله، والاجتياز فيه، أصله: الطاهر 17.
وقولنا: (مكلف) 18 احتراز من: الصبي والمجنون، وقولنا: (أمن من تلويث المسجد) احتراز من: الحائض إذا لم تستوثق من نفسها بالشد، وقولنا: (من غير تنجيس) احتراز منه إذا كان عليه نجاسة.
فإن قيل: نقلبه 19، فنقول: وجب أن يستوي فيه العبور، والقعود فيه؛ كالطاهر 20.
قيل: لا يحتاج إلى هذه الأوصاف التي ذكرناها؛ لأن الحكم استقلَّ عندك ببعضها، أو على أنه لا يجب أن يستوي حكم العبور والقعود؛ كما لم يجب استواؤهما 21 في طريق المسلمين؛ ولأن الجنابة لا تمنع العبور في المسجد، دليله: ما ذكرنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 73
فإن قيل: المانع من الكون في مسألتنا موجود في حال الدخول، فيمنع من دخوله العبور فيه، كما قلنا في الدار المغصوبة، وهو إذا حصل 22 في دار غيره بإذن صاحبها، ثم غصبها منه، منع من القعود فيها، ولم يمنع من الاجتياز للخروج منها؛ لأن المانع من الكون فيها حصل وهو في الدار، فلو كان المانع موجودًا في الابتداء، لم يمنع حكم الدخول للقعود فيها، والاجتياز.
قيل له: يجوز أن يُفرّق في الدار المغصوبة بين أن يوجد سبب المنع فيها، أو خارجًا منها في باب المنع، ويستوي بينهما في المسجد في باب الجواز؛ لأنه لو كان ممنوعًا من الاجتياز فيه لأجل الحدث، لكان ممنوعًا من اللبث فيه على صفة يؤدي إلى الحدث، وهو الإطالة فيه بالنوم، والقعود الكثير، فلما لم يمنع، دل على التسوية بينهما.
فإن قيل: فقد يمنعه من الاجتياز حتى يتيمم ثم يعبر.
قيل له: فإذا تيمم، جاز له المرور، ولا يجوز له اللبثُ والقعود بذلك التيمم، فالكلام لازم، وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية حرب 23: في الرجل ينام في المسجد، فتصيبه الجنابة: فإن قدر أن يغتسل، خرج، وإلا، بات في المسجد، قيل له: فإن تيمم؟ قال: لم يبلغني.
فلم يوجب عليه التيمم لأجل البيتوتة.
الجزء: 2 - الصفحة: 74
وأيضًا: لو كان الجنب ممنوعًا من العبور في المسجد، لكان ممنوعًا من المبيت فيه؛ لجواز أن يحتلم فيه، فلما اتفقوا على جواز المبيت فيه، دل على أن الجنابة لا تمنع دخول المسجد، ألا ترى أن إنزال المني في الصوم لما كان محرمًا، كانت القُبلة للشباب محرمة؛ لأنها تؤدي إلى الإنزال في الغالب؟
فإن قيل: ليس الغالب من حال من يبيت في المسجد أن يحتلم.
قيل له: المدة المتطاولة من الشاب، الغالب فيها الاحتلام، فيجب أن يمنع منها، ولما لم يمنع، دل على ما ذكرنا.
واحتج المخالف: بما روت جسرة بنت دجاجة 24 عن عائشة - رضي الله عنها -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "سُدُّوا هذه الأبواب؛ فإني لا أُحِلُّ 25 المسجدَ لحائضٍ، ولا جُنُب" 26، وهذا عام في الاجتياز والقعود جميعًا.
والجواب: أن أبا بكر بن المنذر .............................
الجزء: 2 - الصفحة: 75
قال في كتابه 27: هذا الحديث غير ثابت.
ولو صح، فلفظه متروك؛ لأن المُحرَّم فعلُنا وتصرفُنا فيه، وليس له ذكرٌ، وإنما هو مضمَر، فليس حملُه على الدخول بأولى من حمله على اللبث، فوجب التوقيف؛ لأن المضمر لا يُدّعى فيه العموم، على أنا نحمله على اللبث؛ بما ذكرنا.
واحتج: بأنه منهي عن دخوله للقعود فيه، فوجب أن يكون منهيًا عن دخوله جنبًا لغير ضرورة؛ قياسًا على دخوله للقعود.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الاجتياز بالقعود؛ بدليل: الطريق، يجوز الاجتياز فيه، ولا يجوز القعود فيه، وكذلك إذا أجنب في المسجد يجوز له الاجتياز فيه، ولا يجوز له اللبثُ فيه، وأما دار الغير، فعلة المنع فيها: عدمُ الإذن من المالك، وهذا المعنى موجود في الاجتياز، والقعود، والمالك ها هنا قد أباح الاجتياز بنص الآية، ومنع اللبث، فلهذا فرقنا بينهما.
فإن قيل: فما تقولون في الحائض هل يجوز لها العبور فيه؟ وقد نص أحمد - رحمه الله - على هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم 28 - وقد سأله عن الجنب، والحائض يمران في المسجد -، فقال: يمران ولا يقعدان.
الجزء: 2 - الصفحة: 76
وإن قاسوا على عبور الكافر في المسجد، فالفرقُ بينهما من وجهين:
أحدهما: من جهة الظاهر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ﴾ [التوبة: 28]، وقال (1) ها هنا: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43].
والثاني: أن الكافر يرى الاستخفاف بحرمته، فمنعناه جملة.