مَسْألَة: يقرأ في صلاة العيد ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] في أصح الروايتين:
رواها عبد الله وحنبل عنه فقال: يقرأ في العيد بالأعلى والغاشية
الجزء: 4 - الصفحة: 51
يرويه سمرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والنعمان - رضي الله عنه -.
وفيه رواية أخرى: يقرأ بما شاء من القرآن، رواها حرب عنه: أنه سئل عن القراءة في العيدين؟ فقال: يقرأ بما شاء، ولم يصحح فيه حديثًا، إلا أنه قد جاء في صلاة الجمعة وأظنه قال: والمنافقون.
قال أبو بكر الخلال في كتاب العلل: قول حرب: إن أبا عبد الله لم يصحح فيه حديثًا، توهم منه على أبي عبد الله، وقد روى عنه جماعة مذهبه.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقرأ بما شاء.
وقال مالك رحمه الله فيما حكي عنه: يقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: 1]، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يقرأ بسورة ﴿ق﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: 1].
دليلنا أنه يستحب أن يقرأ بما ذكرنا خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا يستحب تخصيص شيء من القرآن: ما روى أحمد رحمه الله وذكره أبو بكر قال: نا يزيد بن هارون قال: نا المسعودي وأبو نعيم قال: نا المسعودي عن معبد بن خالد عن زيد بن عقبة عن سمرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في العيد: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وهذا إخبار عن دوام فعله، وروى أبو بكر الخلال في العلل قال: أخبرني حرب قال: حدثني سعيد بن منصور قال: نا أبو عوانة عن إبراهيم
الجزء: 4 - الصفحة: 52
ابن محمد بن المنتشر 1 عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الجمعة والعيدين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وروى أبو بكر النجاد حديث النعمان بن بشير: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في العيد: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وروى أيضًا بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في العيد: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
فإن قيل: فهذا يقابله ما رُوي: أن 2 عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سأل أبا واقد الليثي - صلى الله عليه وسلم - ماذا كان يقرأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.
وروت عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبر في العيد اثنتي عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح ويقرأ بـ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، وهذا يدل على أنه لا توقيت في القراءة.
قيل: قد روينا في حديث سمرة والنعمان - رضي الله عنهما -: أنه كان يقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ والغاشية، وهذا إخبار عن دوام الفعل، وهو لا يداوم إلا على المستحب، وما روينا أولى من حديث عائشة رضي الله عنها وأبي واقد لأمرين:
الجزء: 4 - الصفحة: 53
أحدهما: أن الصحابة - رضي الله عنهم - عملت عليه، فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن عبد الملك بن عمير قال: حدثت 3 عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ في العيدين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وروى أيضًا بإسناده عن عمارة الصيدلاني عن مولى لأنس قد سماه قال: انتهيت مع أنس - رضي الله عنه - يوم العيد إلى الزاوية، فإذا مولى له يقرأ في العيد: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قال: فقال أنس: إنهما السورتان اللتان قرأ بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد بيَّن عن عمر وأنس - رضي الله عنهما - الأخذ بذلك.
والثاني: أن أخبارنا أكثر رواة؛ لأنه رواه سمرة، والنعمان، وابن عباس - رضي الله عنهم -، وأيضًا فإن هذا اليوم مشبه بيوم الحشر؛ لأن الناس يجتمعون من كل موضع و 4 من العوالي والسوادات والنساء والمخدرات والصبيان بعضهم يكون لهم فرح، وبعضهم يكون لهم غم على ألوان مثل يوم المحشر، وإذا كان هذا اليوم مشبهًا بالمحشر استحب أن يقرأ فيه ما يوقظهم من الغفلة، ويذكرهم بالآخرة وفي سورة الغاشية ذكر القيامة، وكذلك في سورة الأعلى.
واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20].
الجزء: 4 - الصفحة: 54
والجواب عنه: ما تقدم في الجمعة، وفي غيرها.
واحتج: بأنها صلاة من الصلوات، فلم تتوقت فيها القراءة، دليله: سائر الصلوات.
والجواب: أنها قد تتوقت عندنا في الجمعة أيضًا، وهي صلاة من الصلوات، وعلى أن هذا قياسٌ يعارض السنة، والله أعلم.
14 -