فإن اقتدى بالإمام، ثم انفرد بصلاة نفسه بعذر، صحت صلاته 2؛ مثل: أن يكون مدافعًا للأخبثين، أو على باب المسجد له دابة يخاف ضياعها، أو سمع حريقًا في داره، وإن كان لغير عذر، فإنه يُخرّج على روايتين هما على المسألتين اللتين قبلها، وهو إذا أحرم منفردًا، ثم ائتم بغيره، وإذا أحرم منفردًا، ثم صار إمامًا، فإن في تلك الروايتين، كذلك ها هنا يخرج على1
الجزء: 2 - الصفحة: 405
روايتين 3: إحداهما: تفسد، وهو أصح.
الثانية: تصح.
وقد نص أحمد - رحمه الله - على صحة ذلك في العذر في صلاة الخوف؛ فإن الطائفة الأولى تسلِّم قبل إمامها، ونص أيضًا فيه: إذا أحدث الإمام وخرج، إن شاؤوا استخلفوا، وإن شاؤوا أتموا لأنفسهم وحدانًا 4، فحكم بصحة صلاتهم في حال الانفراد، نص عليه في رواية عبد الله 5، فقال: إن استخلف الإمام، فقد استخلف عمر 6، وعلي (4) - رضي الله عنهما -، وإن لم يستخلف كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا بأس 7، وإن صلوا وحدانًا، فقد طُعن معاوية (5)، وصلى الناس وحدانًا من حيث طعن أتموا صلاتهم.
فقد حكم بصحة صلاتهم، وإن كانوا منفردين لأجل العذر.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: إذا انفرد بصلاة نفسه، بطلت صلاته، سواء كان لعذر، أو غيره 8.
الجزء: 2 - الصفحة: 406
وقال الشافعي - رحمه الله -: إن كان الانفراد لعذر، صحت، وإن كان لغير عذر، فعلى قولين: أصحهما عنده: أن الصلاة صحيحة 9.
فالدلالة على أن الصلاة تبطل إذا كان لغير عذر: ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تختلفوا على إمامكم" 10، فإذا انفرد بصلاة نفسه، فصار يركع قبل الإمام، فقد اختلف عليه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ولأن صلاة المنفرد 11 مخالفة لصلاة المأموم؛ بدلالة ما قدمناه في المسألة التي قبلها، فإذا كان كذلك، قلنا: إذا افتتح الصلاة في جماعة، فقد انعقدت صلاته على صفة من الصفات، وجهةٍ من الجهات، فلا يجوز صرفها بنيته إلى جهة أخرى مخالفة لها؛ كما لو افتتح صلاة الجمعة، لم يجز أن يصرفها بنيته إلى الظهر، وكذلك الظهر إلى الجمعة، والعصر إلى الظهر، والنفل إلى الفرض، ولأنه التزم الجماعة، فإذا انفرد بنيته، جاز أن تبطل صلاته؛ كما لو أحرم بالجمعة، ثم انفرد، ولا يلزم عليه حال العذر؛ لأن التعليل للجواز.
فإن قيل: إنما لم يصح ذلك في الجمعة؛ لأن من شرطها صحة هذا الجماعة 12.
قيل له: لا يمتنع أن تكون الجماعة شرطًا في صحتها، ثم الانتقال
الجزء: 2 - الصفحة: 407
عنها إلى صلاة أخرى مخالفة لها في الحكم يُبطلها؛ كما لو نوى بها نفلًا، أو نوى بالظهر عصرًا، أو العصر ظهرًا؛ لأن المسبوق بركعة في الجمعة ينفرد، وتصح.
واحتج المخالف: بما رُوي: أن معاذًا - رضي الله عنه - كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم، فأخّر النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ذاتَ ليلة، فصلى معاذ معه، ثم رجع فأمَّ قومه، فابتدأ بسورة البقرة، فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده، فقال: نافقتَ، فقال: لا، ولكني آتي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأتاه فقال: يا رسول الله! إنك أخرت العشاء، وإن معاذًا صلى معك، ثم رجع فأمنا، فافتتح بسورة البقرة، فلما رأيت ذلك، تأخرت فصليت، وإنما نحن أصحاب [نواضح] 13 نعمل بأيدينا، فأقبل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على معاذ فقال: "أفتان أنت يا معاذ؟ ! اقرأ بسورة كذا وكذا" 14، ولم يأمر الرجل بإعادة الصلاة.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون الرجل خرج عن صلاة الإمام، وقطعَها، واستأنف الصلاة منفردًا، وليس في الخبر أنه بنى على التحريمة الأولى، وإذا احتمل ما ذكرنا، سقط التعلق 15 به.
الجزء: 2 - الصفحة: 408
واحتج: بأن ما لا تبطل الجماعة إذا فعله لعذر، لم يبطلها إذا فعله لغير عذر؛ قياسًا على العمل القليل.
والجواب: أن للعذر تأثيرًا 16، ألا ترى أن في صلاة الخوف يجوز ترك القبلة، والعمل الكثير، ولا يجوز في غير ذلك؟ وأما الخطوة والخطوتان، فلا يمكن الاحتراز منها، ولأن الإمام لو كان صحيحًا، والمأموم مريضًا، صلى جالسًا، فإنه يخالف إمامه في الأفعال الظاهرة لأجل العذر، كذلك ها هنا.
واحتج: بأنها لو بطلت إذا خرج لغير عذر، لبطلت بالعذر؛ كما لو خرج من صلاة الجمعة بعذر، وكما لو خرج بأكل في الصيام 17 لعذر.
والجواب: أنا قد بينا أن للعذر تأثيرًا 18؛ بدليل: صلاة الخوف، وله أيضًا تأثير عندهم في الجمعة، وهو إذا خرج الوقت، بنى على ظهر، ولا يجوز مثل ذلك مع بقاء الوقت.
واحتج: بأنه لما جاز أن يدخل في صلاة الجماعة، وهو يعلم أنه يصير منفردًا في آخر صلاته، وهو إذا سبقه الإمام بركعة، فلو لم يجز الخروج من صلاة الإمام، لم يجز أن يدخل في صلاة إمام، وهو يعلم أنه يصير منفردًا في آخرها، ألا ترى أن صوم الشهرين لما وجب فيه
الجزء: 2 - الصفحة: 409
التتابع، لم يجز أن يدخل فيهما في وقت يعلم أنه يخرج منهما قبل إتمامهما؛ مثل: أن يدخل فيهما في شعبان، أو ذي القعدة، فإنه يحتاج أن يخرج لصوم رمضان، أو لفطره في يوم النحر، وأيام التشريق.
والجواب: أنه يجوز له عندنا الدخول في صوم الشهرين في وقت يعلم أنه يتخللهما ما يقطعهما، فدخوله مع الإمام - مع علمه أنه يصير منفردًا - بمثابة دخوله في صيام يعلم أنه يتخلله ما يقطعه، فلا فرق بينهما، على أن هذا يبطل به إذا بقي من وقت الجمعة مقدار ركعة؛ فإنه يجوز الدخول فيها، وإن كان يعلم أنه يتخللها ما يقطعها، وهو خروج الوقت؛ لأن عنده يبني عليها ظهرًا.
واحتج: بأن الائتمام أفاد الفضيلة دون جواز؛ بدلالة: أنه لو صلى منفردًا، صحت صلاته، فانفراده بصلاة نفسه يسلبه الفضيلة التي استفادها دون الجواز.
الجواب: أن الائتمام يكسبه الفضيلة، وأحكامًا أُخرَ مخالفةً لصلاة المنفرد، وقد بينا ذلك، فإذا انفرد بصلاة نفسه، فقد نقلها من الجهة التي انعقدت إلى جهة أخرى مخالفة لها في الأحكام، فصار بمنزلة من افتتح الجمعة، ثم نقلها إلى الظهر، أو افتتح الظهر، ثم نقلها إلى الجمعة.