لا يصح ائتمام القادر على القيام بالعاجز عنه إلا في موضع،12
الجزء: 2 - الصفحة: 265
وهو: إذا كان إمامَ الحيِّ، وكان عجزُه لعلة يُرجى زوالها، وأما إن كان غيرَ إمام الحيِّ، أو كان إمامَ الحيِّ، لكن عجزُه لعلة لا يُرجى زوالُها؛ مثل: الزَّمِن 3، لم تصح إمامته بمن يقدر على القيام:
نص على هذا في رواية صالح 4، فقال: لا يؤمهم المقعَد إلا أن يكون كان يؤمهم، فمرض أيامًا؛ كما فعل جابر 5، وأسيد 6، إذا كان مثل الخليفة، أو مثل إمام يصلي جماعة، صلوا خلفه.
وقال أبو حنيفة 7، والشافعي 8 - رحمهما الله -: تجوز إمامة الجالس بمن يقدر على القيام بكل حال.
الجزء: 2 - الصفحة: 266
واختلفت الرواية عن مالك - رحمه الله - 9، فرُوي عنه: الجوازُ على الإطلاق، مثل قولهما، ورُوي عنه: المنعُ على الإطلاق في إمام الحي، وغيره.
فالدلالة على أنه لا يجوز إمامته على الوجه الذي ذكرنا: ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه" 10، ومن يجيز إمامة الجالس، يقول: يصلون خلفه قيامًا، وهذا اختلاف عليه.
وروى أيضًا أبو بكر النجاد قال: نا عبد الله بن محمد 11 قال: حدثني علي بن الجعد 12 قال: أنا قيس 13 عن جابر، عن الشعبي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمّن أحدٌ بعدي جالسًا" 14.
الجزء: 2 - الصفحة: 267
وروى الدارقطني أيضًا بإسناده بهذا اللفظ 15.
قال أبو بكر النجاد: نا محمد بن غالب 16 قال: نا أبو حذيفة 17 قال: نا سفيان الثوري عن جابر، عن الشعبي - رضي الله عنهم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لا يؤم الرجلُ جالسًا" 18.
فإن قيل: جابر الجعفي ضعيف، والشعبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل.
قيل: جابر روى عنه الثوري، وذلك تعديل، والشعبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل، والمرسَل عندنا حجة.
= (لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي، وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة)، وكذا قال البيهقي بعد أن أخرجه في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: ما روي في النهي عن الإمامة جالسًا، وبيان ضعفه، رقم (5075)، قال ابن عبد البر: (منكر باطل، لا يصح من جهة النقل).
ينظر: الاستذكار (5/ 400).
الجزء: 2 - الصفحة: 268
فإن قيل: يُحمل النهي على الصفة التي صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقته، وهو أنه صلى بهم جالسًا، وهم جلوسٌ، فيكون قوله: "لا يؤمن أحدٌ بعدي جالسًا" على تلك الصفة.
قيل له: من حمل النهيَ على ظاهره وإطلاقِه أولى ممن أضمر فيه؛ لأن الإضمار تركُ حقيقة، ودخولٌ في المجاز، وعلى قولهم يحصل قوله: "لا يؤمن أحدٌ بعدي" قاعدًا بقعود، وعلى أن النهي انصرف إلى الإمام، وإذا حملوا الخبر على صلاة المأموم، حصل النهي منصرفًا إلى المأمومين؛ لأن الإمام غير مؤاخَذ بجلوسهم، وإنما ينصرف النهي إلى إمامته جالسًا بقيام.
والقياس: القيام ركن من أركان الصلاة، جاز أن يمنع القادر من الاقتداء بالعاجز عنه؛ دليله: القارئ لا يجوز أن يقتدي بالأمي، أو نقول: فجاز أن يؤثر في منع الإمامة، ولا يلزم عليه إذًا اقتداء بإمام الحي؛ لأن التعليل للجواز، فلا يلزم عليه الأحوال، ولا يلزم عليه المتيمم إذا صلى بالمتطهرين أنه يجوز، وإن كان الإمام عاجزًا عنه؛ لقولنا: ركن، والطهارة لا توصف بأنها ركن، وإنما هي شرط لتقدمها على الصلاة.
فإن قيل: لنا في الاقتداء بالأمي قولان: أحدهما: الجواز، فلا نسلم الأصل.
قيل له: إنما قال في القديم: يصح، وفي الجديد: لا يصح، وهو الصحيح عنه 19.
الجزء: 2 - الصفحة: 269
فإن قيل: إنما لم يصح اقتداء القارئ بالأمي؛ لأن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم على حسب اختلاف الناس، فعلى قولكم: يتحملها عن جميع الصلاة، وعلى قولنا: يتحملها إذا أدركه راكعًا، وإذا كان أميًا، فليس من أهل التحمل، فلهذا لم تصح إمامته، وليس كذلك القيام، فإنه لا يتحمله عن المأموم، فعجزُه عنه لا يمنع الاقتداءَ به.
قيل له: قد يتحمل القيام عندك، وهو إذا أدركه راكعًا، فإنه يسقط عنه ذلك القيام بعد أن كان واجبًا عليه؛ بدليل: أنه لو أدركه قائمًا، لزمه القيام، ومع هذا، فقد تحمله في تلك الحال، وعلى أن هذا يؤكد ما نقول؛ لأن القراءة إذا كان التحمل يدخلها، دلَّ على ضعفها، ثم العجز عنها يمنع صحةَ الاقتداء، والركوعُ والسجود لا يدخله التحمل يدلُّ على تأكيده، فأولى أن يمنع العجزُ عنه صحةَ الاقتداء.
وقياس آخر: وهو أنه غير قادر على القيام، فجاز أن لا يكون إمامًا للقادر عليه؛ دليله: المومئ؛ فإن أبا حنيفة - رحمه الله - قد قال: لا تصح إمامته 20، والمربوط على خشبة، فإنه لا تصح إمامته عند الشافعي - رحمه الله - 21.
فإن قيل: فيه وجهان.
قيل: الصحيح: أنه لا يصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 270
فإن قيل: إنما لم يصح هناك؛ لأن تلك الصلاة لا يُعتد بها، ألا ترى أنه يجب عليه الإعادة؟ وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يُعْتد بتلك الصلاة.
قيل: لا نسلِّم لك في الأصل أنه لا يُعتد به، وعلى أن هذا يبطل بالمحدِث، فمانه لا يُعتد بصلاته، وقد صحت إمامته 22، وأما في الفرع، فلا يمتنع أن يعتد به، ولا يصح الاقتداء؛ كالأمي يُعتد بصلاته، ولا تصح إمامته، وكالمرأة تصح صلاتها، ولا يصح اقتداءُ الرجل بها، وكالمستحاضة.
فإن قيل: إنما لم يصح الاقتداء بالمومئ؛ لأن المومئ لا ركوع ولا سجود له، والركوع والسجود [لا يسقط] 23 في غير حال العذر بحال، فلم يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه، وليس كذلك القيام؛ لأنه يسقط في غير حال العذر بحال، وهو في صلاة النافلة، فصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه.
قيل له: القيام لا يسقط في صلاة الفرض في غير حال العذر بحال، كما لا يسقط الركوع، فلا فرق بينهما.
فإن قيل: فالركوع والسجود من شرطه مشاركة المأموم الإمام فيه، ألا ترى أنه إذا أدركه وقد رفع، لم يُعتد بتلك الركعة؟ فلهذا لم يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه؛ لأنه ليس له إمام يقتدي به فيما هو شرط في الاقتداء، وليس كذلك القيام؛ لأنه ليس من شرط صحة الاقتداء
الجزء: 2 - الصفحة: 271
مشاركة المأموم، ألا ترى أنه لو أدركه وقد ركع، صح اقتداؤه به، وكان مدركًا للركعة؟ فلهذا صح اقتداؤه به، وإن كان عاجزًا عنه.
قيل له: إنما كان من شرط صحة الاقتداء في الركعة المشاركة في الركوع لا للمعنى الذي ذكرتموه، وهو أن الركوع آكدُ من القيام، لكن لأجل أنه يحصل بإدراك الركوع مدركًا لمعظم الركعة، وإذا [أدركه] 24 وقد رفع، فقد فاته معظم الركعة، فأما أن تكون العلة فيه أن الركوع آكدُ، فلا، ألا ترى أنه لو أدرك الإمام قائمًا، لزمه متابعته فيه، ومتى ترك المتابعة مع الإدراك، لم تصح صلاته؟
واحتج المخالف: بما روى أحمد - رحمه الله - في المسند 25 قال: نا عباد بن عباد المهلبي 26 عن محمد بن عمرو 27، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما الإمام ليؤتَمَّ به، فإذا كَبَّر، فكبروا، وإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعين" 28.
الجزء: 2 - الصفحة: 272
وروى أيضًا في المسند 29 قال: نا أبو جعفر محمد بن جعفر المدائني 30 قال: نا ورقاء 31 عن منصور 32، عن سالم بن أبي الجعد 33، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهم - قال: وثئت 34 رِجْل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدخلنا عليه، فخرج علينا 35 أو وجدناه في حجرته بين يدي غُرفة، فصلى جالسًا، وقمنا خلفه، فصلينا، فلما قضى الصلاة، قال: "إذا صليتُ جالسًا، فصلُّوا جلوسًا، وإذا صليتُ قائمًا، فصلوا قيامًا، ولا تقوموا كما تقوم فارس لجبابرتها، أو لملوكها" 36. = الصلاة رقم (722)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: ائتمام المأموم بالإمام، رقم (414).
الجزء: 2 - الصفحة: 273
وروى أيضًا في المسند 37 قال: نا يحيى 38 عن هشام بن عروة: حدثني أبي قال: حدثتني عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليه الناس في مرضه يعودونه، فصلى بهم جالسًا، فجعلوا يصلون قيامًا، فأشار إليهم: أنِ اجلسوا، فلما فرغ، قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا رفع، فارفعوا، وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا" 39. وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرسًا، فصرع منه، فجُحِش شقُّه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، وصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به، فإذا صلى قائمًا، فصلُّوا قيامًا، وإذا ركع، فاركعوا، وإذا رفع، فارفعوا"، وفي لفظ آخر قال: "وإذا صلَّى قاعدًا، فصلُّوا قعودًا" 40. = المريض في منزله جماعة إذا لم يمكنه شهودها في المسجد لعلة حادثة، رقم (1487)، وذكر أنه: (خبر غريب غريب).
الجزء: 2 - الصفحة: 274
وروى النجاد أيضًا بإسناده عن حصين 41 - من ولد سعد بن معاذ - عن أسيد بن حضير - رضي الله عنه -: أنه كان يؤمهم، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعوده، فقالوا 42: يا رسول الله! إن إمامنا مريض، قال: "إذا صلَّى قاعدًا، فصلوا قعودًا" 43. وروى النجاد بإسناده عن القاسم بن محمد قال: حج معاوية - رضي الله عنه -، فقال على المنبر 44: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، جاء بلال ليؤذنه بالصلاة، فقال:454647
الجزء: 2 - الصفحة: 275
"مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس"، فذكر الحديث، فصلى بالناس، فلما دخل يُهادى 48 بين رجلين، ورجلاه تَخُطَّان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر - رضي الله عنه - حِسَّه، ذهب ليتأخرَ، فأومأ إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن أقم كما أنت، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر - رضي الله عنهم أجمعين 49 -.
وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين جاء أخذ القراءة من موضع بلغ أبو بكر 50. = فيكون الأصل بعد التصحيح: عن القاسم بن محمد قال: حج معاوية - رضي الله عنه -، فقال على المنبر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلى الإمام جالسًا، فصلوا جلوسًا".
وروي عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها قالت: جاء بلال ليؤذنه بالصلاة ... الحديث.
فبهذا يستقيم الكلام.
الجزء: 2 - الصفحة: 276
قالوا: فهذه الأخبار تدل على جواز إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليه.
والجواب: أنا نقول بهذه الأخبار كلها؛ لأن بعضها فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان إمام وقته، ونحن نجيز لإمام الحيِّ مثلَ ذلك، وبعضُها قول، وهو قوله: "إذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا"، ونحن نحمل ذلك على إمام الحيّ، وخلافنا فيما وراء ذلك.
واحتج: بأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، روى النجاد بإسناده عن كثير بن السائب 51: أن أسيد بن حضير كان وَجِعًا، فوجد خِفَّةً، فتحامل 52 إلى المسجد، فصلى بأصحابه، فأقعدهم قعودًا خلفه 53.
وروى بإسناده عن قيس 54 قال: قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: الأمير إمام، فإن صلى قائمًا، فصلُّوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا، فصلُّوا قعودًا 55.
الجزء: 2 - الصفحة: 277
قال أحمد - رحمه الله - في رواية صالح 56: قد رُوي في ذلك عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن جابرًا صلى بهم وهو جالس، وهم جلوس، وأسيد بن حضير، وأبا هريرة - رضي الله عنهما -، قد ثبت هذا عن ثلاثة من الصحابة.
والجواب: ما تقدم.
واحتج: بأن العجز عن القيام لا يمنع صحة الاقتداء؛ دليله: إمام الحي.
والجواب: أن القياس هنا يمنع أيضًا، لكن تركناه للأثر، وعلى أن إمام الحي له مزية، ألا تراه أحقَّ بالتقدم، ويمنع غيره من أن يؤذن، ويقيم، ويؤم في المسجد؟ فإن قلنا: لا يؤم إذا كان جالسًا، سقطت مزيته؛ لأنه يمنع الناس من الصلاة معه.
واحتج: بأنه من لا يُرجى منه القيامُ أكثرُ ما فيه: أنه عاجز عن القيام، وهذا لا يمنع، ألا ترى أن من يرجى منه القيام تجوز إمامته، وإن كان عاجزًا في الحال؟
والجواب: أن القياس اقتضى المنع في الموضعين، وإنما أجزناه في أحدهما؛ للأثر، والأثرُ ورد في عجزٍ كان يُرجى معه القيام، وعلى أنا قد بيّنا أن لإمام الحي مزيةً، وأما الفرق بين أن يكون عجزه يرجى زواله، وبين أن لا يرجى، فهو أنه غير ممتنع أن يختلف الحكم عندنا = الدارقطني في العلل (9/ 26).
الجزء: 2 - الصفحة: 278
باختلاف صفته، كما اختلف عندكم باختلاف الأركان، فقال الشافعي (1) - رحمه الله -: عجزه عن القراءة يمنع الائتمام به، وعجزه عن الركوع والسجود لا يمنع.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله -: عجزه عن القيام لا يمنع، وعجزه عن الركوع والسجود يمنع (2).
واحتج: بأن من جاز أن يؤم الجالس، جاز أن يؤم القائم؛ دليله: القيام.
والجواب: أنه ليس إذا جاز أن يؤم مثله، جاز أن يؤم من هو أكمل منه؛ بدليل: الأمّي، والمستحاضة، والمصلون تجوز إمامتهم لمثلهم، ولا تجوز لمن هو أكمل منهم، كذلك ها هنا.
فإن قيل: لما جاز أن يؤم المتيمم للمتطهر مع نقص طهارته، جاز أن يؤم العاجز عن القيام بالقادر.
قيل: المتيمم قد أتى ببدل الطهارة، والبدل يقوم مقام المبدل، وليس كذلك العاجز عن القيام؛ فإنه لم يأت ببدل عنه، والله أعلم.