مَسْألَة: يكفن الشهيد في ثيابه التي كانت عليه لا يغيرها:
نص عليه في رواية ابن مشيش في الشهيد يحمل القيد والخف، وكل شيء يكون من الجلود، قيل له: فإن حضر بعض الأولياء فأحب
الجزء: 4 - الصفحة: 220
أن ينزع عنه تلك الثياب ويكفنه بغيرها؟ قال: لا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "زملوهم في كلومهم".
خلافًا لأصحاب الشافعي رحمه الله في قولهم: وليه بالخيار بين أن يكفنه بها، وبين أن يكفنه بغيرها وينزع ما عليه.
دليلنا: ما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم.
وقوله: "يدفن بثيابهم" أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
فإن قيل: نحمله على وجه الاستحباب.
قيل: إطلاقه يقتضي الإيجاب؛ ولأن الغالب أن ثيابهم يحصل عليها من دمائهم، فلا يجوز إزالة ذلك عنهم كما لم يجز إزالته عن أبدانهم؛ لأنه أثر الشهادة.
واحتج المخالف: بما روي أن صفية بنت عبد المطلب أرسلت ثوبين ليكفن فيهما حمزة - رضي الله عنهما - ابن عبد المطلب، فكفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحدهما، وكفن بالآخر رجلًا من الأنصار.
والجواب: أن هذا محمول على أن حمزة - رضي الله عنه - كان قد سلبت 1 ثيابه، وهذا هو الظاهر من حاله؛ لأنه يقال: مُثِّل به، ولهذا كفنه في ثوب، ويحتمل أن يكون ضم الثوب إلى ما كان عليه من الثياب، ولم يسلبه إياها.
الجزء: 4 - الصفحة: 221
واحتج: بما روي أن مصعب بن عمير - رضي الله عنه - قتل يوم أحد ولم يكن له إلا نمرة، فكنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر"، فقد كفنه بغير ما كان عليه، وهو الإذخر.
والجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفنه فيما كان عليه، وزاد على ذلك زيادة لعجز الذي كان عليه عن تمام الكفن.
واحتج: بأنه تكفين فوجب أن لا يتغير لغير الشهيد، ولأن الناس ضربان حال الحياة وبعد الوفاة، ثم ثبت أن ما كان حال الحياة لا يتغير، كذلك بعد الوفاة.
والجواب: أنه لا فائدة في تعين الكفن في حق غير الشهيد، وفي حال الحياة، وليس كذلك الشهادة؛ لأن فيه فائدة، وهو بقاء أثر الشهادة عليه، تبين صحة هذا: أنه لو أصابه من دم جرح في سبيل الله ولم يمت وجب عليه له، ولو مات من ذلك لم يغسل، والله أعلم.
63 -