مَسْألَة: يقنت بعد الركوع:
نص عليه في رواية الأثرم 2، فقال: أذهبُ إلى أنه بعد الركوع، وإن قنت قبل الركوع، فلا بأس، وقال أيضًا في رواية الفضل بن زياد 31
الجزء: 2 - الصفحة: 217
- وقد سئل عن القنوت قبل الركوع، أو بعده؟ -، فقال: كلٌّ حسن، إلا أني أختار بعد الركوع.
فقد نص على أنه يجوز قبل الركوع، ولكن المستحب بعده، وهو قول الشافعي 4. وقال أبو حنيفة 5، ومالك 6 - رحمهما الله -: يقنت قبل الركوع، إلا أن أبا حنيفة يكبر بعد فراغه من القراءة، ثم يقنت (2). دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أنس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت بعد الركوع 7. ورواه أيضًا بإسناده عن خفاف بن إيماء 8 - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت بعد الركوع 9.
الجزء: 2 - الصفحة: 218
وروى النجاد قال: نا محمد بن يونس 10 قال: نا روح 11 قال: نا صالح 12 قال: نا ابن شهاب 13 عن سعيد بن المسيب: أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت بعد الركوع 14، وقوله: كان، إخبارٌ عن دوام الفعل، ولا يداوم على ترك الفضل.
وأيضًا: روى أحمد - رحمه الله - 15 ذكره أبو بكر، قال: نا هشيم: ثنا منصور 16 عن الحارث، عن إبراهيم، عن الأسود: أن عمر - رضي الله عنه - قنت
الجزء: 2 - الصفحة: 219
في الوتر بعد الركوع 17. وروى أبو بكر النجاد قال: قُرِئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع قال: نا قريش بن أنس 18 قال: نا العوام بن حمزة 19 قال: سألت أبا عثمان 20 عن القنوت بعد الركوع، أو قبل الركوع؟ قال: صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان، وذكر رابعًا 21 - رضي الله عنهم - قنتوا بعد الركوع 22. ولا تكبيرة مفعولة بعد الفراغ من القراءة، فالمستحب أن يدخل
الجزء: 2 - الصفحة: 220
بها في الركوع؛ قياسًا على التكبير في الركعة الأولى، وعند أبي حنيفة: يكبر، ويدخل في القنوت.
ولأن القراءة المشروعة في الصلاة لا يستحب قطعُها إلا بفعل مفروض، وهو الركوع؛ قياسًا على الركعة الأولى، ولأنه دعاء أُخِّر عن القراءة، فكان فعله بعد الركوع أولى؛ لأنه يكون عقيب الدعاء، وهو قول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.
واحتج المخالف: بما رُوي في حديث أُبي بن كعب - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بثلاث لا يسلِّم إلا في آخرهن، ويقنت في الثالثة قبل الركوع 23.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - 24 قال: .........................2526
الجزء: 2 - الصفحة: 221
رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت في الوتر قبل الركوع.
والجواب: أن أحمد - رحمه الله - قال في رواية حنبل 27: كل ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من القنوت بعد الركوع، وقال أيضًا في رواية عبد الله 28: كل حديث رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت في القنوت، إنما هو في الفجر، لما رفع رأسه من الركوع.
وهذا يدل على أن ما رُوي في القنوت قبل الركوع غيرُ ثابت، وقد تكلم أبو داود 29 في كتابه 30 على حديث أُبيّ، وقال: ذكرُ القنوت فيه وهمٌ، قال: لأنه روى سليمان الأعمش، وشعبة، وعبد الملك بن أبي سليمان، وجرير بن حازم، كلهم عن زُبَيْد 31، لم يذكر أحد منهم القنوت.
= ما يقرأ في ركعات الوتر والقنوت فيه، رقم (1662 و 1663)، وأشار لضعفه، كما سيذكره المؤلف.
الجزء: 2 - الصفحة: 222
وأما حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال 32 الدارقطني - رواه في كتابه 33 -، وقال: رواه أبان بن أبي عياش 34 عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، وأبان متروك الحديث.
وعلى أنا نحمل ذلك على الجواز، وما رويناه على الاستحباب والفضل؛ لأن الأئمة عملت علته 35.
واحتج: بأنه ذكرٌ مفعول في حال الاستقرار من القيام، فوجب أن يكون موضعه قبل الركوع؛ قياسًا على ذكر الاستفتاح، والقراءة.
والجواب: أن ذكر الاستفتاح، وتكبيرات العيد يتقدم على القراءة، وليس كذلك هذا؛ لأنه مؤخَّر عن القراءة، فكان مؤخرًا عن مقام القراءة؛ كقوله: ربنا ولك الحمد، وأما القراءة، فإنما تقدمت الركوع؛ لأن القيام محل لها، ألا ترى يتعذر بها 36، فلم يجز أن تتأخر القراءة عنه؛ لأنه محل لها، وغير القراءة من الأذكار لما لم يكن القيام محله، جاز أن
الجزء: 2 - الصفحة: 223
يتأخر عن القيام.
واحتج: بأن مدرِك الإمام في هذه الحال لا يكون مدرِكًا للركعة، فوجب أن لا يكون ذلك موضعًا للقنوت؛ قياسًا على ما بعد السجود.
والجواب: أنا نعارضه بمثله، فنقول: موضع يدرك الركعة بإدراكه، فلا يستحب فيه القنوت، أصله: قبل القراءة، والله أعلم.
86 -