مَسْألَة: يغسل قتلى أهل البغي ويصلى عليهم:
الجزء: 4 - الصفحة: 211
ذكره الخرقي في قتال أهل البغي، وهذا الحكم في قُطّاع الطريق.
وبه قال الشافعي رحمه الله.
وقال أبو حنيفة [رحمه الله] 1: لا يصلى عليهم عقوبة لهم.
دليلنا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"، وهذا عام.
وذكر سيف الدين في كتاب الفتوح بإسناده عن محمد بن طلحة: أن عليًا - رضي الله عنه - أقام في عسكره ثلاثًا لا يدخل البصرة، ويدل 2 الناس إلى موتاهم، وطاف عليٌّ معهم في القتلى فأُتي بكعب بن سور، فقال: زعمتم أنما خرج معهم السفهاء، وهذا الحبر قد ترون، وساق الخبر إلى أن قال: وصلى على قتلاهم من أهل البصرة، وعلى قتلاهم من أهل الكوفة، وساق الخبر.
ولأنه مسلم قتل بحق، فوجب أن يغسل ويصلى عليه، دليله: الزاني المحصن، والقاتل عمدًا، ولا يلزم عليه المقتول شهيدًا؛ لأنه قتل بغير حق، ولأن البغي معصية لا يخرج من الإيمان، فلا يخرج من الغسل، والصلاة، دليله: سائر المعاصي.
وفيه احتراز من الردة؛ لأنها تخرج من الغسل، دليله: سائر المعاصي.
الجزء: 4 - الصفحة: 212
وفيه احتراز من القتل على وجه الشهادة؛ لأن ذلك بمعصية، تبين صحة أن الصلاة على الميت شفاعة ودعاء واستغفار، وأهل البغي أحوج إلى ذلك من أهل العدل، ولا يلزم عليه المقتول شهيدًا؛ لأن ذلك استغنى بشهادة الله - عز وجل - عن الصلاة عليه.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إن من قتل نفسه، ومن غلَّ من الغنيمة لا يصلى عليه، وهي معصية لا تخرجه عن الإيمان، وهو محتاج إلى الدعاء.
قيل له: لا نقول: إنه لا يصلى عليه أصلًا، وإنما قلنا لا يصلي عليه الإمام خاصة ردعًا له، فإنما بقية المسلمين فإنهم يصلون عليه ويغسلونه.
واحتج المخالف: بأن عليًا - رضي الله عنه - لم يغسل قتلى أهل النهروان، ولم يصل عليهم.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون صلى عليهم غيره وغسلهم فاكتفى بذلك، وهذا هو العادة أن الناس يتسارعون إليه.
واحتج: بأن قتالهم وجب للذب عن الدين، فوجب أن يصلى عليهم كأهل الحرب.
وإن شئت قلت: يستحلون قتال أهل الحق ولأن لهم منعًا وقد باينوا أهل الحق، وباينوهم بالقتال فهم كأهل الحرب.
والجواب: أن قتلهم ليس للذب عن الدين، وإنما هو لأجل الإمامة والرئاسة، ولأجل هذا لا تغنم أموالهم، ولأن أهل الحرب كفار، والكفر
الجزء: 4 - الصفحة: 213
يمنع الصلاة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وليس كذلك هؤلاء؛ لأنهم لم يكفروا بالبغي فهو كغيره من المعاصي.
ولأن أهل الحرب كفار لا ينفعهم الدعاء والاستغفار، وليس كذلك أهل البغي، وقطاع الطريق؛ لأنهم مسلمون فجاز الدعاء لهم والاستغفار، لأن القصد من الصلاة الدعاء.
واحتج: بأن علينا مباينتهم ومجانبتهم والتبرؤ منهم في حياتهم، فكان ذلك بعد موتهم أولى؛ لوقوع الإياس من توبتهم.
والجواب: أنه لا يجب التبرؤ منهم، وإنما يجب التبرؤ من فعلهم الذي هو البغي، وقطع الطريق، كما يجب التبرؤ من فعل الفساق الذي فسقوا به دون التبرؤ من إنابتهم، وسائر طاعاتهم، والله تعالى أعلم.
60 -