مَسْألَة: يجوز لأهل المصر أن يقيموا الجمعة فيما قرب من المصر من الصحراء:
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي 2 - وسئل عن أمير العسكر والجيش هل يجمع بأصحابه يوم الجمعة؟ -: إذا كان في أربعين رجلًا، وهو مسافر، ويرجعون، فليس عليهم أن يجمعوا في قراهم.
ظاهر هذا يقتضي: أنهم إذا جمعوا بهم في حال السفر، صحت الجمعة، والبنيان يقدم في حال السفر، وهذا محمول على أنه سفر لا تقصر فيه الصلاة، فلا يسقط فرض الجمعة عن العدد1
الجزء: 3 - الصفحة: 125
الذي تنعقد به الجمعة، فأما إن كان سفرًا يقصر فيه، لم يصح فيهم، وقوله: ليس عليهم إذا رجعوا أن يجمعوا في قراهم، معناه: إذا رجعوا من يومهم إلى وطنهم 3.
وقال في رواية جعفر بن محمد 4 - وقد سئل عن مسجد جامع بُني على عشرة فراسخ من المدينة يجّمع فيه؟ -، قال: نعم.
وقوله: يجمَّع فيه، يحتمل أن يكون أراد به: أهلَ المدينة إن تحملوا السير إليه، وصلَّوا فيه، صحت الجمعة، وهذا يدل على صحة الجمعة فيه، وإن بَعُد عن البنيان، ويحتمل أن يريد به: إذا كان حوله قرى، وهو أشبه بالتأويل؛ لأنه يَبْعُد أن يقصده أهل البلد، وهذا يقتضي جواز الصلاة فيه مع اتصاله بالبنيان وانفصاله، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - 5.
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: لا يجوز 6.
دليلنا: أنها صلاة شُرع لها الاجتماع والخطبة، فوجب أن يجوز فعلها في البنيان، وما قرب من البناء؛ دليله: صلاة العيد، وقد نص على ذلك في رواية حنبل 7، فقال: الخروج إلى المصلى في العيدين أفضل،
الجزء: 3 - الصفحة: 126
إلا ضعيفًا أو مريضًا، ولم يزل أبو عبد الله - يعني: أحمد - رحمه الله - يأتي المصلى حتى ضَعُف، فكان يذهب إلى المسجد في المدينة، فيصلي مع الإمام ركعتين.
واحتج المخالف: أنه موضع خارج من المصر، أو موضع يجوز للمسافر من المصر أن يقصر الصلاة فيه، فلا يجوز لأهله إقامة الجمعة فيه، أصله: ما بَعُد من المصر.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار ما قرب من المصر بما بعد منه، ألا ترى أن صلاة العيد تجوز في البنيان، وما قرب من البناء في الصحراء، ولا تجوز فيما بعد؟
فإن قيل: هو - وإن كان في حكم المصر في صلاة العيد - فهو في حكم البعيد في جواز ابتداء القصر والفطر.
قيل له: هو - وإن كان في حكم البعيد في جواز القصر والفطر - فهو في حكم المصر في صلاة العيد.
فإن قيل: صلاة العيد غير محالة من غيرها بشرط البناء، فجاز فعلها في كل موضع، ولهذا يجوز للمسافر فعلها في سفره، والجمعة إحالة فرض من شرطها البناء، ولهذا لا يجوز فعلها في السفر، فإذا عدم البناء، لم يجز.
قيل: قولك: الجمعة إحالة فرض من شرطها البناء، لا نسلِّمه، بل من شرطها الاستيطان، وقولك: لا يجوز فعلها في السفر، غيرُ صحيح؛
الجزء: 3 - الصفحة: 127
لأنه لو اجتاز المسافر ببلد، وأدرك فيه صلاة الجمعة،