مَسْألَة: يجوز الصلاة على الميت في المسجد:
نص عليه في رواية أبي الحارث فقال: حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد.
وكذلك نقل الأثرم فقال: سألت أبا عبد الله عن الصلاة على الجنازة في المسجد؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس.
وبه قال الشافعي رحمه الله.
وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: يكره ذلك.
دليلنا: ما روى أحمد رحمه الله قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا ابن جريج عن موسى بن عقبة عن عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن الزبير عن عائشة - رضي الله عنهم - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنها أرسلت هي وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى [أهل] 1 سعد بن وقاص - رضي الله عنهم - أن مروا به علينا في المسجد حتى نصلي عليه فمر به عليهن في المسجد، فصلى عليه أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأنكر ذلك الناس، فذكروا ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت: لا تعجبوا من الناس حتى تنكروا هذا 2، والله ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد، ذكره أبو بكر الخلال في كتاب العلل.
الجزء: 4 - الصفحة: 275
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء في المسجد إنها أثبت فإنه حديث موسى بن عقبة وهو يسنده.
فإن قيل: يحتمل أن يكون فعل ذلك لعذر من مطر أو مرض.
قيل له: لو كان كذلك لم تحتج عائشة رضي الله عنها على من أنكره، ولكان يرده عليها، وتبين أنه كان لعذر، وذلك العذر معدوم، فلما لم يجز العذر آل ذلك على أنه لا اعتبار به.
ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -:
روى النجاد بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما صُلي على أبي بكر - رضي الله عنه - إلا في المسجد.
وروى المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: صلي على أبي بكر - رضي الله عنه -، وعمر - رضي الله عنه - تجاه المنبر.
وروى نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن عمر - رضي الله عنه - صلي عليه في المسجد.
فإن قيل: يحتمل أن يكون صلي عليه في مسجد الجنائز.
قيل له: قد روينا أنه قال: صلي على أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - تجاه المنبر.
والقياس: أن كل صلاة لا يكره فعلها في مسجد الجنائز، لم يكره فعلها في سائر المساجد، قياسًا على سائر الصلوات.
ولأنها صلاة يجوز فعلها في غير المسجد، فجاز فعلها في المسجد، أصله: سائر الصلوات.
الجزء: 4 - الصفحة: 276
واحتج المخالف: بما روى ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له".
والجواب: أن أبا الحارث قال: سئل أبو عبد الله - يعني أحمد رحمه الله - عن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له"، قال أبو عبد الله: حديث صالح مولى التوأمة: ليست بشيء، ولكن حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد.
وكذلك روى عبد الله قال: سألت أبي عن حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له"؟ فقال: حتى يثبت [حديث] 3 صالح مولى التوأمة، كأنه عنده 4 ليس يثبت أو ليس بصحيح، وقال: حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد، وهذا يدل على ضعف الحديث.
وعلى أنا نحمل قوله: "فلا شيء له"، على من صلى عليها في المسجد وهي غائبة، وترك السعي والاتباع، وتكون الدلالة على صحة هذا خبرنا الذي ذكرنا، فيجمع بين الخبرين.
وعلى أن خبرنا أولى؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - عملت عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 277
فإن قيل: خبرنا أولى؛ لأنه قول، وخبركم فعل، والفعل لا يعارض القول.
قيل له: إذا كان صريحًا لا يحتمل فهو بمنزلة القول، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة على سهيل صريح لا احتمال فيه.
فإن قيل: فخبرنا حاظر، وخبركم مبيح، والحاظر أولى.
قيل له: قد قيل: إن الحاضر والمبيح سواء؛ لأن كل واحد منهما يستفاد من الشرع، على أن خبرنا يعضده فعل الصحابة رضوان الله عليهم.
واحتج: بأنه لا يؤمن أن يخرج منه نجاسة فتلوث المسجد، فيجب أن يتجنب منه، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وإقامة حدودكم" لهذا المعنى.
والجواب: أن انفجاره وخروج النجاسة منه نادر، وإنما يخشى عليه ذلك عند الانتفاخ وظهور علامات الانفجار، ومن وجد فيه ذلك لم يدخل المسجد، فأما إذا حمل من غير تأخر، فإنه لا يتفجر، فيجب أن لا يكره كالحر البالغ العاقل يجوز له اللبث في المسجد، وإن جاز أن يطرأ منه الحدث، وكذلك المرأة يجوز لها الجلوس في المسجد، وإن [جاز] 5 أن يطرقها الحيض، والله تعالى أعلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 278
83 -