مَسْألَة: يجوز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر الذي يقصر فيه الصلاة:
نص على هذا في رواية المروذي 1، والأثرم 2، وإبراهيم بن الحارث 3، وأبي طالب (2).
الجزء: 3 - الصفحة: 69
وهو قول مالك 4، والشافعي 5 - رضي الله عنهما -. وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا يجوز الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما إلا بعرفة والمزدلفة 6. دليلنا: ما روى أحمد - رحمه الله - في المسند 7 قال: نا عبد الرزاق: أنا ابن جريج قال: أخبرني حسين بن عبد الله بن عبيد الله 8 بن عباس - رضي الله عنهما -. عن عكرمة، وعن كريب: أنَّ ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "ألا أخبركم عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر؟ قال: قلنا: بلى، قال: كان إذا زاغت الشمس في منزله، جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإذا لم تزغ في منزله، سار، حتى إذا حانت العصر، نزل 9، فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت المغرب له في منزله، جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن في = مسائله رقم (544 و 1034)، وأبو داود في مسائله رقم (523 و 524)، والكوسج في مسائله رقم (132 و 361).
الجزء: 3 - الصفحة: 70
منزله، ركب، حتى إذا حانت العشاء، نزل، فجمع بينهما" 10، وهذا أجود حديث في المسألة.
وروى أحمد - رحمه الله - في المسند 11 قال: ثنا يحيى بن غيلان 12 قال: نا المفضل بن فضالة 13 قال: حدثني عُقيل 14 عن [ابن] 15 شهاب: أنه حدثه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم ينزل، فيجمع بينهما، وإن زاغت قبل أن يرتحل، صلى الظهر، ثم ركب 16.
الجزء: 3 - الصفحة: 71
وروى النجاد بإسناده عن نافع: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - اسْتُصرخ 17 على صفية وهو بمكة، وهي بالمدينة، فسار حتى غابت الشمس، وقد بدت النجوم، فقال رجل: قولوا: الصلاة الصلاة، فقال له سالم: الصلاة، فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا عجل به أمر في سفر، جمع بين هاتين الصلاتين، فسار حتى غاب الشفق، ثم صلى المغرب ثلاثًا، والعشاء ركعتين 18. وروى النجاد بإسناده عن عامر بن واثلة 19: أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أخبرهم: أنهم خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام تبوك، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - = الشمس، صلى الظهر، ثم ركب، رقم (1112)، ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، رقم (704).
الجزء: 3 - الصفحة: 72
يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا 20. وروى النجاد بإسناده عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين الصلاتين في السفر 21. وروى النجاد بإسناده عن علي بن الحسين - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر في السفر 22. وروى أيضًا بإسناده عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج - رحمه الله -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في سفره بتبوك 23.
الجزء: 3 - الصفحة: 73
وروى أيضًا بإسناده عن الهُزيل 24 بن شُرَحبيل - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر 25.
وهذه الأخبار نصوص.
فإن قيل: يحتمل أن يكون أخّر إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها، وعجّل الأخرى في أول وقتها، وهذا يسمى جمعًا، ألا ترى إلى ما رُوي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: أنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين المغرب والعشاء؛ يؤخر هذه إلى آخر وقتها، ويعجل هذه في أول وقتها 26. = (4397)، وقد اختلف في وصله وإرساله، قال ابن عبد البر: (رواه أكثر الرواة عن مالك مرسلًا، وقد رُوِي عنه عن داود عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -).
ينظر: الاستذكار (6/ 10)، وقال: (حديث رابع لداود مرسل من وجه متصل من وجه صحيح: مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج).
ينظر: التمهيد (2/ 337).
الجزء: 3 - الصفحة: 74
وكذلك رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه قال: جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة من غير خوف ولا سفر 27، وفي بعضها: من غير سفر ولا مطر 28.
قيل له: هذا لا يصح لوجوه: أحدها: أن هذا لا يسمى جمعًا؛ لأن الجمع هو: ضم الشيء إلى الشيء، والصلاة لا يمكن ضمها، وإنما يكون جمعًا إذا ضمت إحداهما إلى الأخرى في وقت إحداهما، فأما إذا انفردت كل واحدة منهما عن الأخرى بالفعل والوقت، فلا يكون جمعًا.
= (2/ 159): (رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو مالك النخعي، وهو ضعيف).
الجزء: 3 - الصفحة: 75
والثاني: أن الراوي أخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر؛ كما أخبر عن الجمع 29 بعرفة والمزدلفة، فلما أجمعنا على أن المراد بالجمع هناك في الوقت، كذلك ها هنا.
الثالث: أنه قصد بهذا الجمع: الرفق بالمسافر، وهذا يؤدي إلى التغليظ والتشديد؛ لأن ذلك لا يمكن مراعاته إلا بمشقة شديدة.
الرابع: أن فيما روينا تصريحًا بأن الجمع كان في وقت إحداهما، ففي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: كان إذا زاغت الشمس في منزله، جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب 30، وهذا يقتضي الجمع بينهما في الزوال؛ لأنه قال: قبل أن يركب، ومعلوم أنه - عليه السلام - ما كان يصلي الظهر ويجلس حتى يدخل وقت العصر ثم يصليها؛ لأنه لا يحصل له قصده من التعجيل، ورواه الشافعي - رضي الله عنه - 31: كان يجمع بين الظهر والعصر في الزوال، وهذا صريح في وقت الأولة.
وفي حديث أنس - رضي الله عنه -: كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما (3)، فأخبر أن الجمع كان في وقت الثانية.
الجزء: 3 - الصفحة: 76
وفي حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: أخرها حتى غاب الشفق، ثم صلى، وأخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك 32، فبين أنه صلى المغرب في وقت العشاء.
فإن قيل: يحمل قول أنس - رضي الله عنه -: أخر الظهر إلى وقت العصر، على أنه قارب وقت العصر، وكذلك قوله في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: أخر المغرب حتى غاب الشفق، معناه: قارب أن يغيب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: 234]، وأراد: قارب بلوغ أجلهن، ولأنه يحتمل أن يكون أراد بالشفق 33، وفي ذلك الوقت لا يخرج وقت المغرب عند أبي حنيفة - رحمه الله -، ولأنه يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤخر حتى يصليها بعد ما يصير ظل كل شيء مثله، وكان عند أنس - رضي الله عنه -: أن وقت العصر يدخل بذلك، وعند أبي حنيفة: لم يدخل وقتها.
قيل له: أما قولك: إنني أحمل هذا على أنه قارب وقت العصر، فهذا خلاف الحقيقة؛ لأن الحقيقة تقتضي الإكمال؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59]، والمراد به: كمال البلوغ، ولأن قوله: أخرها إلى وقت العصر، نحو قوله: أخر المغرب بالمزدلفة إلى وقت العشاء، والمراد بذلك: خروجُ الوقت.
الجزء: 3 - الصفحة: 77
وقوله: أحملُ حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - على غيبوبة الحمرة، فلا يصح؛ لأن أبا بكر بن المنذر روى فيه 34 زيادة، فقال: أُخْبر ابنُ عمر - رضي الله عنهما - بوجع 35 امرأته وهو في سفر، فأخر المغرب، فقيل له: الصلاة؟ فسكت، وأخرها بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هويٌّ من الليل 36، ثم نزل وصلى المغرب والعشاء، وقال: هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل إذا جدَّ به السير 37. وقوله: حتى ذهب هويٌّ من الليل، يقتضي غيبوبةَ البياض؛ لأنه لا يذهب هويّ من الليل عند غيبوبة الحمرة، وعلى أنه، وإن لم يخرج وقت المغرب عندك، فلم يدخل وقت العشاء الآخرة، وإذا لم يدخل وقتها، لم يجز الجمع عندك، وقد أخبر أنه أخر المغرب، وصلى معها العشاء.
وقوله: يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرها حتى صار ظل كل شيء مثله، وليس ذلك بآخر وقت الظهر عندنا، فلا يصح؛ لأن الراوي قال: أخر الظهر إلى وقت العصر، في حديث أنس - رضي الله عنه -، وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: حتى حانت العصر، وهذا يقتضي دخول وقت العصر، فمن حمل ذلك على أن الوقت لم يدخل، كان فيه تخطئة الراوي.
وجواب آخر عن أصل السؤال، وهو: أن حملها على هذا يسقط فائدتها؛ لأن له أن يجمع بين الصلوات في الحضر على هذا الوجه.
الجزء: 3 - الصفحة: 78
فإن قيل: هذه الصلوات لها أوقات مستحبة في الحضر، فاستفدنا بهذه الأخبار جواز تقديمها على الأوقات المستحبة، وتأخرها عنها في حال السفر.
قيل: الأوقات المستحبة هي ما لم تدخل، وفي هذه الأخبار إذا دخل وقت الأخرى، وأما ما رُوي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين المغرب والعشاء، يؤخر هذه إلى آخر وقتها، ويعجل هذه في أول وقتها 38، فلا يعرف هذا الحديث، ولو صح، فنحن نقول به؛ لأنه يجوز أن يؤخر إحداهما، ويعجل الثانية في وقتها، ويجوز فعلهما في وقت إحداهما.
وأما حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة من غير خوف ولا سفر، ورُوي: ولا مطر، فيجوز أن يكون هذا في ابتداء الأمر، ثم نسخ؛ لإجماعنا على أنه لا يجوز الجمع على هذه الصفة، وقد أومأ إليه أحمد - رحمه الله - في رواية صالح 39 - وقد قيل له: حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: جمع بين الظهر والعصر من غير خوف ولا مطر؟ -، فقال: قد جاءت الأحاديث بتحديد المواقيت للظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
فإن قيل: فيحمل ذلك على الوقت الذي كان وقت الظهر والعصر مشتركًا بهما 40، وكان يجمع في وقت إحداهما في الحضر، ثم نسخ
الجزء: 3 - الصفحة: 79
ذلك، واستقرت المواقيت.
قيل: لو كان كذلك، لم يخص بذلك السفر، وعلى أنا لا نسلِّم أن بالمدينة كانت الصلاة غير مؤقتة، ولأن في خبر معاذ - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بينهما عام تبوك، وهذا بعد الفتح 41، ولأن ابن عمر - رضي الله عنهما -، وابن عباس - رضي الله عنهما - عَمِلا بذلك، ولا يجوز أن يفعلا ذلك، وهو منسوخ، فأما ابن عمر - رضي الله عنهما -، فقد روينا عنه فعلَ ذلك، وأما ابن عباس - رضي الله عنهما -، فروى النجاد بإسناده عن جابر بن زيد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر، ويقول: هي السنة 42.
والقياس: أن له أن يقصر، فله أن يجمع؛ دليله: إذا كان محرِمًا له أن يجمع بعرفة والمزدلفة.
فإن قيل: المعنى هناك: أن له الجمع، وإن لم يجز له القصر، وهو إذا كان من أهل مكة.
قيل: لا نسلم لك هذا؛ لأن المكي لا يجوز له الجمع؛ كما لا يجوز له القصر.
فإن قيل: لا خلاف أن الجمع بعرفة والمزدلفة أفضل من التفريق، والتفريق في السفر أفضل، فكما لم يدل فضيلة الجمع للمحرم على
الجزء: 3 - الصفحة: 80
فضيلته للمسافر، كذلك لا يدل على جوازه.
قيل له: لا يمتنع أن يكون أحدهما آكدَ من الآخر، ويتساويان في الجواز؛ كالقصر عنده آكدُ من الفطر، ثم يتساويان في الجواز، كذلك ها هنا، وأيضًا: فإن المقصود العبادةُ دون الوقت، وللسفر تأثير في إسقاط بعض العبادة، وهو الركعتان، فلأنْ يكون له تأثير في إسقاط فرض الوقت أولى.
فإن قيل: لا يمتنع أن يسقط بعض الصلاة، ولا يسقط الوقت، في الجمعة تسقط الركعتان، ولا يسقط فرض الوقت.
قيل: لا نسلم لك هذا، بل نقول: يؤثر في الركعات والوقت؛ لأنه يجوز فعلها قبل الزوال على أصلنا، وعلى أنه لا حاجة بهم في الجمعة إلى إسقاط الوقت؛ لأنهم في الحضر بهم حاجة إلى تخفيف بعض الصلاة لأجل الاجتماع والانتظار، وفي السفر بهم حاجة إلى الأمرين، وأيضًا: فإن وقت الصوم أضيقُ من وقت الصلاة؛ بدليل: أنه إذا دخل وقته، لم يجز تأخيره، وإذا دخل وقت الصلاة، جاز تأخيرها، فإذا كان السفر يسقط وقت الصوم، ويجوز تأخيره عن وقته إلى وقت آخر، فلأنْ يسقط وقت الصلاة أولى.
فإن قيل: الصوم عبادة مؤقتة، ثم لم يكن للسفر تأثير في إباحة تقديمها على وقتها، كذلك يجب أن لا يكون له تأثير في تقديم العصر على وقتها.
قيل له: إنما لم يجز تقديم الصوم في السفر؛ لأنه لا يستفيد به
الجزء: 3 - الصفحة: 81
رخصة، ولا رفاهة، وإنما يستفيد ذلك بتأخير الصوم عن وقته في السفر، وليس كذلك الصلاة؛ فإنه يستفيد بها رخصة ورفاهة، وهو فعلها في أحد الوقتين، فلهذا افترقا في التقديم، وتساويا في التأخير.
واحتج المخالف: بما روى أبو قتادة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "ليس التفريط في النوم، إنما التفريط في 43 اليقظة: أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى" 44، ولم يفرق بين حال السفر وغيره.
والجواب: أن هذا عام في السفر والحضر، وحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - خاص في السفر، فيجب أن نفضله.
واحتج: بما رُوي عن عبد الله بن مسعود 45 - رضي الله عنه - قال: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة إلا لوقتها، ما خلا عرفة والمزدلفة 46، فلو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الصلاتين في السفر، لما خفي على عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - مع صحبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - في أسفاره.
الجزء: 3 - الصفحة: 82
وروي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخر صلاة إلى وقت الأخرى حتى قبضه الله - عز وجل - 47. والجواب: أن هذا الخبر غير معروف، وعلى أن ما رويناه أولى؛ لأنه مثبِت، والمثبِت أولى من النافي، وهذا كما قدمنا رواية غيره في وضع الأيدي على الركب على رواية عبد الله في التطبيق 48، وكما قلنا: إن من
الجزء: 3 - الصفحة: 83
روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: دخل البيت فصلى، أولى ممن روى أنه لم يصلِّ 49.
واحتج: بما رُوي عن عمر - رضي الله عنه -: أنه قال: الجمع بين الصلاتين من الكبائر 50، ولا يُعرف له مخالف.
والجواب: أنا قد روينا عن ابن عمر، وابن عباس - رضي الله عنهم - خلافَ هذا، وعلى أن المشهور عنه: أنه قال: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر، وروى ابن المنذر 51 عن عمر - رضي الله عنه -: أنه قال: إن جمعًا 52 بين
الجزء: 3 - الصفحة: 84
الصلاتين من الكبائر، إلا من عذر.
واحتج: بأن هذه الصلوات قد ثبت لها أوقات مخصوصة بالنقل المستفيض، فلا يجوز تأخيرها عليها، ولا تقديمها إلا بنقل مثله.
والجواب: أنها تثبت بالنقل المستفيض في غير حال العذر، فأما في حال العذر من السفر، والمطر في الحضر، والمرض، فلم يثبت؛ لحصول الخلاف الظاهر فيه.
واحتج: بأنها صلاة لها وقت معين في الحضر، فلا يجوز ترك وقتها لأجل السفر؛ قياسًا على صلاة الفجر.
والجواب: أن الصبح مفارق لغيرها في ذلك؛ كما يقول المخالف في النسك: إنه يجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة، ولا يجمع صلاة الصبح إلى ما قبلها، ولا إلى ما بعدها، ولأنه لا يجوز اعتبار بعض الصلوات ببعض في الجمع؛ كما لا يجوز ذلك في العصر، وهو يتعلق بالسفر.
واحتج: بأنهما صلاتان لا يجمع بينهما في وقت إحداهما في الحضر، فلا يجمع بينهما لأجل السفر؛ كالعصر والمغرب، وعشاء الآخرة مع الفجر.
والجواب: أنا لا نسلم أنه لا يجوز الجمع بينهما في الحضر؛ لأنه يجوز الجمع لأجل المرض والمطر، ثم المعنى في الأصل: ما تقدم من الكلام على العلة التي قبلها.
الجزء: 3 - الصفحة: 85
واحتج: بأن كل حال لا يجوز أن يجمع فيها بين هاتين الصلاتين في وقت إحداهما إذا لم ينو الجمع، كذلك لا يجوز وإن نوى؛ دليله: الحضر.
والجواب: أن أبا بكر من أصحابنا ذكره في كتاب الخلاف: أن الجمع لا يفتقر إلى نية الجمع 53، وإذا كان كذلك، فالوصف غير مسلَّم، وإن سلَّمنا، وهو المذهب، فلا يمتنع أن يكون الجمع رخصة يعتبر فيها شرائط، منها: النية، ومتى لم يوجد ذلك الشرط، لم يستفد الرخصة؛ كالمسح على [الخفين] 54 هو رخصة من شرطها الخف، [فإذا عُدِم] 55، لم يستبح الرخصة، وكذلك أيضًا نية السفر شرط في القصر، كذلك ها هنا، ثم المعنى في الأصل، وهو الحضر: أنه لا حاجة به إلى الجمع، والسفر به حاجة.
واحتج: بأن كل صلاتين لم يجز الجمع بين الأولى والثانية في وقت الأولى إذا لم يوال بينهما، وتطاول الفصل، لم يجز أيضًا، وإن والى بينهما، ولم يطل الفصل؛ كالفجر في وقت العشاء، والمغرب
الجزء: 3 - الصفحة: 86
في وقت العصر.
والجواب: أن أبا طالب (1) روى عن أحمد - رحمه الله -: أنه قال: يؤذن ويقيم، ولا بأس أن يتطوع بينهما، وهذا يدلّ على الجمع، وإن لم تحصل الموالاة، وروى أبو الحارث عنه (2): لا يتطوع بينهما، كذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعلى هذا: لا يصح الجمع؛ لأنه لم يوجد معناه؛ لأن معنى الجمع هو الضم، وهذا المعنى لا يوجد بالتفريق، ولأنه إنما أجيز له التقديم؛ للجمع بينهما، فإذا فصل بينهما، لم يجمع، فلهذا كانت المواصلة شرطًا، وأما الظهر والفجر، فليس إذا لم يجز الجمع بينهما لم يجز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، الدلالة عليه: الجمع بعرفة.
137 -