مَسْألَة: يجوز إقامة الجمعة قبل الزوال في وقت صلاة العيد
الجزء: 3 - الصفحة: 293
نقل هذا الجماعة عنه: عبد الله 7، وصالح 8، وابن القاسم 9، وأحمد بن الحسن 10 الترمذي (3)، وأبو طالب (3)، وابن منصور 11: كلُّهم يروي عنه: يجوز فعلها قبل الزوال، وقال في رواية الترمذي - وقد سئل: عن صلاة الجمعة قبل نصف النهار؟ -، فقال: ما جاء من فعل أبي بكر، وعمر - رضي الله عنهما -؛ لأنها عيد، والأعياد كلها في أول النهار.
وظاهر هذا: أنه أجازها في وقت العيد، وهو اختيار أبي حفص عمر بن بدر المغازلي 12، قال: وقتها حين تحل الصلاة بعد الفجر، حكاه أبو إسحاق عنه.
وقال الخرقي في مختصره 13: وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة، أجزأتهم.
فظاهر كلامه: أنه لا يجوز فعلُها في الساعة الخامسة، والرابعة، وانما يجوز في الساعة السادسة قبل الزوال، والمذهب على جواز ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 294
وقال مالك 14، وأبو حنيفة 15، والشافعي 16 - رحمهم الله -: لا يجوز فعلها قبل الزوال.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: كنا نتغدى، ونَقيل بعد الجمعة، وفي لفظ آخر: ما كنا نتغدى، ولا نقيل إلا بعد الجمعة 17، وفي لفظ آخر قال 18: إن كنا لنفرح بيوم الجمعة، وذلك أن عجوزًا تطبخ لنا أُصولَ السِّلق 19، والشعير، فنأكله عندها بعد ما ننصرف من الجمعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فوجه الدلالة: أنه أخبر أن الغداء، والقيلولة كان في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاة الجمعة، والغداء إنما يكون غداء قبل الزوال، فإذا زالت الشمس، سمي: عشاء، وكذلك القيلولة ما كانت قبل الزوال، فإذا زالت الشمس 20، وقد قال ابن قتيبة في جوابات
الجزء: 3 - الصفحة: 295
مسائل 21: الغداء مأخوذ من الغداة، والعَشاء مأخوذ من العشي، وإذا انبسطت الشمس، سمي الغداء: ضُحى، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: 119]، أي: لا تعطش، ولا تصيبك الشمس 22، فإذا كان نصف النهار، قالوا: الظهيرة، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18]، ثم يكون الأكل بعد الهجير عشاء.
وجواب الشق من هذا، وهو: أن وقت الغداء من طلوع الفجر إلى زوال الشمس؛ لأنك تقول: غدوت إلى فلان؛ يعني: مضيت إليه في أول النهار، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعرباض بن سارية - رضي الله عنه - وقد دخل عليه -: "تعال إلى الغداء المبارك" 23، وهو يتسحر، فسمى السحور غداءً؛ لقربه من وقت الغداة، وهو إلى وقت الزوال؛ لقوله تعالى: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: 15]، فقيل.
الغدو: إلى وقت الزوال، والآصال: بعده، ووقت العشاء من زوال الشمس إلى أن يمضي أكثر الليل، وذلك = (قال القاضي وغيره: فإذا زالت الشمس، سمي عشاء).
الجزء: 3 - الصفحة: 296
لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر، فسلَّم من ركعتين 24، فسمى صلاةَ الظهر: صلاةَ العشي، وإنما كان أن يمضي أكثر الليل؛ لأن بعد مضي الأكثر يكون السَّحَر، ومعلوم في العادة الفرقُ بين العشاء والسَّحَر، ووقت السحر: مضيُّ الأكثر من الليل إلى طلوع الفجر؛ لأنه كذلك في العادة، وتبيَّن صحة هذا: لو حلف أن لا يتغدى، كان مصورًا على ما ذكرنا، كذلك العشاء.
وروى النجاد بإسناده عن أبي سهيل 25 عن أبيه 26 قال: كنت أرى طُنْفُسة 27 لعقيل بن أبي طالب - رضي الله عنه - تُطرح إلى جانب المسجد الغربي، فإذا غشي الطنفسة كلَّها ظلُّ الجدار، خرج عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قال 28: ثم يرجع بعد صلاة الجمعة، فيقيل قائلة الضحى 29.
الجزء: 3 - الصفحة: 297
وهذا يدل على أن القيلولة تكون قبل الزوال؛ لأنه أضافها إلى الضحى.
واحتج أصحابنا: بما روى أحمد - رحمه الله - في المسند 30 بإسناده عن إياس بن سلمة 31 عن أبيه - رضي الله عنهما - قال: كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمعة، ثم نرجع، وما للحيطان فيءٌ نستظل به، ورواه أبو داود أيضًا 32.
وهذه لا دلالة فيه؛ لأنه لم ينف أن يكون للحيطان فيء في الجملة، وإنما نفى أن يكون فيئًا يُستظل به، وقد تزول الشمس على فيء لا يُستظل به.
والمعتمد في المسألة: إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -:
روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عبد الله بن سيدان السلمي 33 قال: = صحيحه، كتاب: الجمعة، باب: وقت الجمعة إذا زالت الشمس.
الجزء: 3 - الصفحة: 298
صليت مع أبي بكر - رضي الله عنه - الجمعة، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم صلينا مع ابن الخطاب - رضي الله عنه -، فكانت خطبته وصلاته إلى أن تقول: قد انتصف النهار، ثم صلينا مع عثمان - رضي الله عنه -، فكانت خطبته وصلاته إلى أن تقول: قد زال النهار، فلم أسمع أحدًا عاب ذلك، وفي لفظ آخر قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر - رضي الله عنه -، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان - رضي الله عنه -، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: زالت الشمس، فما رأيت أحدًا عاب ذلك، ولا أنكره 34. وروى أبو بكر في كتاب الشافي قال: نا أحمد بن محمد 35، ومحمد بن عبد الله 36 قال: نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: نا أبي قال: نا وكيع
الجزء: 3 - الصفحة: 299
عن جعفر بن بُرقان 37، عن ثابت بن الحجاج 38، عن عبد الله بن سيدان، قال وكيع السلمي 39، قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر - رضي الله عنه -، فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - 40، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك، ولا أنكره.
وهذا إجماع منهم؛ لأن صلاة الجمعة يحضرها الخاص والعام، ولم يظهر النكير من أحد منهم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون عبد الله بن سيدان ظن الشمس لم تزل، وكانت قد زالت؛ لأن الزوال معنى خفي.
قيل له: هذا لا يصح؛ لوجوه: أحدها: أنك تضيف إليه الخطأ فيما حكاه، ويجب أن يحسن الظن في الراوي.
= (14/ 289) فيمن يروي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل.
الجزء: 3 - الصفحة: 300
والثاني: أن زمان الخطبة والصلاة زمان طويل لا يخفى في مثله الزوال.
والثالث: أنه فرق بين صلاة أبي بكر، وبين صلاة عمر، وبين صلاة عثمان - رضي الله عنهم -، وهذا لا يكون إلا عن مراقبة، ومعرفة بالوقت.
فإن قيل: يحمل قوله: [نصف النهار] قبل الوقت الذي كان يبردون 41 بالصلاة الظهر فيه 42.
قيل له: لا يصح هذا؛ لوجوه: أحدها: أن قوله: [فكانت صلاته وخطبته] يقتضي: الدوام، فهو يعم الشتاء الذي لا إبراد فيه، والصيف.
والثاني: أن قبل نصف النهار حقيقةٌ فيما قبل الزوال، ولهذا لو حلف: لا كلَّمته قبل نصف النهار، فكلَّمه قبل الزوال، برَّ، ولو كلَّمه بعد الزوال، لم يبرّ.
والثالث: أنه خالف بين فعل أبي بكر، وعمر، وعثمان - رضي الله عنهم -، والقوم جميعهم كانوا يبردون 43 بها في الحر، فعلم أن اختلافهم رجع إلى الزوال.
وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن عبد الله بن سلمة قال: صلى بنا ابن مسعود - رضي الله عنه - الجمعة ضُحًى، وقال: إنما عجلت لكم؛ خشيةَ
الجزء: 3 - الصفحة: 301
الحر عليكم 44.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن سعيد بن سويد 45 قال: صلى بنا معاوية - رضي الله عنه - الجمعة ضُحًى 46.
وهذا صريح في إجماعهم على ذلك.
والقياس: أن صلاة الجمعة مضافة إلى يومها، فصح فعلُها قبل الزوال؛ دليله: صلاة العيد، ولا يلزم عليه صلاةُ الظهر، وبقيةُ الصلوات؛ لأنها لا تضاف إلى يومها؛ لأنها تُفعل في سائر الأيام، والجمعة تضاف إلى يومها، وهو يوم تفعل فيه، كما أن صلاة العيد تضاف إلى يوم العيد.
فإن قيل: صلاة العيد تطوعٌ، وتجوز في الحضر، والسفر، ومتفرقين، ومجتمعين، فلهذا جاز فعلها أي وقت شاء.
قيل له: قد أجبنا عن هذا فيما تقدم 47، وقلنا: صلاة العيد واجبة،
الجزء: 3 - الصفحة: 302
ومن شرطها: الاستيطان، والجماعة، والإمام - على إحدى الروايتين -، فسقط هذا.
فإن قيل: فصلاة العيد لا يصح فعلُها بعد الزوال، فلهذا فُعلت قبل الزوال، وليس كذلك الجمعة؛ لأنه يصح فعلها بعد الزوال، فلم يصح قبل الزوال.
قيل له: لا يمتنع أن يصح فعلُها قبل الزوال، تجب بالزوال 48، وتصح قبله؛ كصلاة العصر في وقت الظهر، يحق الجمع، تصح وتجب بعد الظل، وتصح قبله، وكذلك عشاء الآخرة في وقت المغرب.
فإن قيل: العصر والعشاء إنما جاز تقديمهما؛ لأجل الجمع، فهو سبب في جواز ذلك، وليس ها هنا سبب في تقديم الجمعة على وقتها، فيجب أن لا يجوز؛ لأنها من عبادات الأبدان، وعبادات الأبدان لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها.
قيل له: هذا الوقت لوجوبها عندنا، إلا أنه وجوب موسَّع، وإذا كان كذلك وقتًا لوجوبها، لم يكن فيه تقديمٌ لها على وقت وجوبها.
فإن قيل: لو كان وقت صلاة [العيد] 49 وقتًا للجمعة في الابتداء، لكان آخر وقت صلاة العيد آخر وقت صلاة الجمعة؛ كصلاة القصر،
الجزء: 3 - الصفحة: 303
وصلاة الإتمام 50، لما كان وقت إحداهما وقت الأخرى، كان وقتًا لهما في الانتهاء، وكذلك وقت الصلاتين المجموعتين لما كان وقت إحداهما وقتًا للأخرى في الابتداء، كان وقتًا للانتهاء.
قيل: لا يمتنع أن يكون وقت صلاة العيد وقتًا لصلاة الجمعة في الابتداء، ولا يكون وقتًا للانتهاء؛ بدليل: الظهر، والجمعة، وقت إحداهما وقتٌ للأخرى في الابتداء، ويختلفان في الانتهاء عند مخالفنا؛ لأن وقت الظهر: إذا زالت الشمس، وهو أول وقت الجمعة، وآخر وقت الجمعة: إذا صار ظل كل شيء مثله، وليس ذلك بآخر وقت الظهر؛ لأنه لو أحرم بالجمعة في وقت الظهر، ثم خرج الوقت، بنى عليها ظهرًا، ولم يبن عليها جمعة؛ فقد جعلوا ما بعد الظل وقتًا للظهر، وليس بوقت للجمعة، وكذلك طلوع الفجر الثاني أولُ وقت الصوم، وأولُ وقت صلاة الفجر، ويختلفان في الانتهاء، فيمتد وقت الصوم إلى آخر النهار، ووقت الصلاة إلى طلوع الشمس.
وقياس آخر: وهو أن الجمعة والظهر صلاتا فرض يجهر في إحداهما، ويسر في الأخرى، فلم يجب اشتراكهما في الوقت؛ دليله: الفجر، والظهر، ولا يلزم عليه النوافل؛ لقولنا: صلاتا فرض، ولا يلزم عليه: صلاة القصر، والإتمام؛ لقولنا: يجهر في إحداهما، ويسر في الأخرى.
الجزء: 3 - الصفحة: 304
وطريقة أخرى جيدة: وهو أن المقصود: العبادة، دون الوقت، وللجمعة تأثير في إسقاط بعض العبادة، وهو الركعتان، فلأن يكون لها تأثير في إسقاط فرض الوقت أولى؛ كالسفر لما أثّر في إسقاط بعض العبادة، أثّر في إسقاط الوقت في الجمع، وإن شئت قلت: ما أثّر في إسقاط بعض الصلاة، أثّر في إسقاط وقتها؛ كالسفر يؤثر في إسقاط وقت العصر إلى وقت الظهر، كذلك يؤثر في إسقاط فرض وقت الظهر إلى ما قبله في صلاة الجمعة.
واحتج المخالف: بما روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة إذا مالت الشمس 51.
وروى سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال: كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة إذا زالت الشمس 52.
والجواب: أن هذا محمول على الفضيلة والكمال، ونحن نستحب فعلها في ذلك الوقت، وما رويناه يدل على الجواز، فنجمع بينهما.
واحتج: بأنها صلاة مقصورة، فلا يجوز فعلها قبل وقت التمام؛ كصلاة السفر.
الجزء: 3 - الصفحة: 305
والجواب: أنا لا نسلِّم أنها صلاة مقصورة؛ لأن الفرض في يوم الجمعة صلاةُ الجمعة، وعلى أن القصر والتمام فرضٌ واحد، ألا ترى أنهما يتفقان في الجهر، والإخفات، ويُقضيان 53 جميعًا إذا فاتا، وتُبنى إحداهما على الأخرى مع سعة الوقت، فكان وقتهما واحدًا، فلم يجز فعل المقصورة قبل وقت التمام، والجمعة والظهر تختلفان في جميع ذلك، فهما فرضان مختلفان، فاختلف وقتهما؛ كالظهر مع العصر.
واحتج: بأنها صلاة يخرج وقتها بحصول الظل مثله، فلم يجز فعلها قبل الزوال؛ كالظهر.
والجواب: أنه لا يمتنع أن تتفق العبادتان في الانتهاء، وتختلفا في الابتداء؛ كما جاز أن تتفقا في الابتداء، وتختلفا في الانتهاء؛ كالصوم، وصلاة الفجر يتفقان في الابتداء، وهو طلوع الفجر، ويختلفان في الانتهاء، فانتهاء وقت صلاة الفجر طلوعُ الشمس، وانتهاء الصوم غروبُها؛ لأن الانتهاء أحد طرفي الوقت، كما أن الابتداء أحد طرفيه، وعلى أن الظهر والجمعة قد تختلفان في انتهاء الوقت على وجه، وهو حال الاستدامة بالصلاة؛ فإنه إذا أحرم بالظهر، فخرج وقتها؛ بأن صار الظل مثله، لم يمنع من البناء عليها، ويكون أداء، ولو كان محرِمًا بالجمعة، فخرج وقت الظهر، منع من البناء عليها جمعة على قول الشافعي - رحمه الله 54 -،
الجزء: 3 - الصفحة: 306
فجاز أن يختلفا 55 في الابتداء، وعلى أنه لا حاجة بنا إلى تأخيرها بعد أن صار الظل مثله، وبنا حاجة إلى تقديمها، وهو أن هذه الصلاة يُجمَع 56 لها الناس من أطراف البلد، وغير البلد، فلو أخرناها إلى الزوال، شق عليهم الرجوع إلى منازلهم، ومثل هذا قالوا: إذا اجتمع عيد، وجمعة في حق أهل القرى، لم تجب عليهم الجمعة.
واحتج: بأنها صلاة مفروضة، فلم يجز فعلها قبل وجوبها متبوعه 57؛ دليله: سائر الصلوات، قالوا: وعندكم: ما قبل الزوال ليس بوقت الوجوب، وإنما هو وقت الجواز.
والجواب: أنا نقلب العلة، فنقول: فلم يتقدر وقتُها بوقت غيرها؛ دليله: سائر الصلوات، على أن كلام أحمد - رحمه الله - يقتضي روايتين:
إحداهما: أنه وقت لوجوبها؛ لأنه قال في رواية أحمد بن الحسن 58 الترمذي 59: في صلاة الجمعة قبل نصف النهار: لا أرى بأسًا على ما جاء من فعل أبي بكر - رضي الله عنه -؛ ولأنها عيد، والأعياد كلها في أول النهار.
فقد شبهها بصلاة العيد في الوقت، وأولُ النهار وقتٌ لوجوب صلاة العيد، كذلك الجمعة، يكون أول النهار وقتًا لوجوبها وجوبًا موسَّعًا،
الجزء: 3 - الصفحة: 307
فعلى هذا نقول بموجب القياس، وأنه لا يجوز فعلها قبل وجوبها.
والثانية: هو وقتٌ لجوازها؛ لأنه قال في رواية ابن منصور 60: إن فعل ذلك قبل الزوال، لم أَعِبْه، وبعد الزوال ليس فيه شك.
وظاهر هذا: أنه وقت الجواز؛ ولأن الواجب لا يوصف بذلك، وهو اختيار أبي بكر 61 فيما حكاه أبو إسحاق عنه في تعاليقه، فقال: أولُ وقتها حين تزول الشمس لوقت الظهر سواء، ولكن يجوز أن يصليها قبل الزوال؛ للأخبار، فعلى هذا: لا يمتنع جواز فعلها قبل وقتها؛ لأجل العذر، كما جاز في تقديم العصر لأجل العذر، والعذر في الجمعة: أنها صلاة يجتمع لها الناس من المواضع البعيدة، ويعتمدوا البُكور لها طلبًا للفضيلة، وبترك الاشتغال، فلو منعنا من فعلها قبل الزوال، شق عليهم الانتظار، وضاق عليهم الوقت في الرجوع إلى بيوتهم، والتصرف في أشغالهم، فكان ذلك عذرًا؛ كالمرض، والمطر.
وقال أبو إسحاق في بعض تعاليقه: اختلف أصحابنا في وقت الجمعة ما أوله؟
فذهب أبو القاسم بن أبي علي الخرقي: إلى أن ذلك في الساعة الخامسة 62.
الجزء: 3 - الصفحة: 308
وذهب أبو حفص عمر بن بدر المغازلي: إلى أن ذلك حين تحل الصلاة بعد صلاة الفجر، كذا سمعته يقول (1). وأما شيخنا أبو بكر عبد العزيز (2)، فذهب إلى أن وقتها: أولُه حين تزول الشمس؛ كوقت الظهر سواء، قال: ولكن يجوز أن يصليها قبل الزوال؛ بدلالة الآثار، وكما يجوز في العصر (3) في وقت الظهر إذا جمع بينهما، وكذلك ابن مسعود لما صلى قبل الزوال قال: إنما صليت مخافة الحر عليكم، أو كما قال، والله تعالى أعلم.
173 -