مَسْألَة: واختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله - في كلام الناسي، هل يقطع الصلاة أم لا؟ :
فروى عنه صالح 1، والمروذي 2، وإسحاق بن إبراهيم 3، وأبو طالب 4، ومحمد بن طالب بن الحكم 5: أنه يقطع الصلاة، فقال في رواية
الجزء: 1 - الصفحة: 204
صالح 6: ومن تكلم عامدًا أو ساهيًا، أعاد الصلاة، ومن قال: إن الخطأ والنسيان مرفوع عنه، يلزمه إذا قتل صيدًا ناسيًا، وكذلك نقل إسحاق بن هانئ عنه: في إمام صلى بقوم، فيتكلم ناسيًا، يعيد الصلاة 7، وكذلك نقل أبو طالب: في الرجل يسلم عليه، فيرد السلام ناسيًا، يعيد الصلاة في الفريضة والتطوع 8، وكذلك نقل المروذي - رحمه الله -: إذا قال في صلاته: اسقني ماءً، عامدًا أو ناسيًا، استقبل 9، وكذلك نقل محمد بن الحكم 10.
وقال: كان الشافعي - رحمه الله - يقول: إذا تكلم ساهيًا، لا يعيد 11، ويعيد أعجبُ إلي.
وبهذا قال جماعة من أصحابنا 12.
الجزء: 1 - الصفحة: 205
وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله - 13.
وروى عنه أبو الحارث 14، ويوسف بن موسى 15: لا تبطل الصلاة إذا تكلم ساهيًا.
وأومأ إليه في رواية أبي طالب: في إمام سلم من اثنتين فسأل، فقال بعضهم: هي اثنتان، وقال بعضهم: هي أربع، فالذين قالوا: اثنتان يعيدون، ومن قال: إنها أربع، وظن أنها أربع، فهم مثل الإمام لا يعيدون، إنما تكلموا في أمر الصلاة، وهم يظنون أنهم أتموا؛ فقد حكم بصحة صلاتهم؛ لاعتقادهم أنهم في غير صلاة.
وبهذا قال مالك 16، والشافعي 17، وداود 18 - رحمهم الله -.
فالدلالة على أن ذلك يقطع الصلاة: ما تقدم 19 من حديث معاوية بن الحكم - رضي الله عنه -، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس هذا".
الجزء: 1 - الصفحة: 206
فلو كان كلام الناسي لا يفسد، لكان قد صلح فيها شيء من كلام الناس.
فإن قيل: فالخبر حجة عليكم، معتمد في المسألة؛ لأنه لم يأمره بإعادة الصلاة؛ لأنه كان جاهلًا بالحكم.
قيل له: لم يعلم بالنهي، فلم يلزمه حكمه، كما لم يلزم أهل قباء حكم النسخ قبل العلم به، بل استداروا في الصلاة 20.
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية حنبل: فيمن صلى في أعطان الإبل ولم يعلم، ولم يسمع الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: رجوت أن لا يلزمه 21؛ يعني: لا يلزمه الإعادة.
وقال في رواية صالح: ذو اليدين تكلم، ولا يدري لعلها قد قصرت 22.
فإن قيل: قوله: "لا يصلح" لا يفيد بطلان الصلاة؛ لأن الالتفات لا يصلح في الصلاة، والعبث في ثيابه، ولحيته، والخطوة، والخطوتين، ونحو ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 207
قيل له: رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "يصلح الالتفات، أو الخطوة والخطوتان" 23، لكنا نقول: إن ظاهره يقتضي بطلان الصلاة.
فإن قيل: هذا أمر بالامتناع من الكلام في الصلاة، وأن 24 في صورة الخبر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، والناسي لا يتوجه إليه الأمر والنهي.
قيل له: ظاهره الخبر، ويمكنّا حملُه عليه، فلا نصرفه إلى غيره إلا بدلالة، على أن الناسي يجوز أن يكون حكم الخطاب قائمًا عليه في فساد صلاته إذا ترك شرطًا من شروطها، ولم يجز توجه الخطاب إليه في حال النسيان؛ كما لو نسي الطهارة، وصلى، أو نسي القراءة أو الركوع، فسدت صلاته، وكذلك إذا تكلم ساهيًا.
وروى أبو شيبة 25 عن يزيد أبي خالد 26، .................
الجزء: 1 - الصفحة: 208
عن أبي سفيان 27، عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء" 28، وهذا عام في العمد والسهو؛ ولأن مثله غير مسنون في الصلاة، فوجب أن لا يختلف عمدُه وسهوه؛ كالجماع، ولا يلزم عليه السلام؛ لأن مثله مسنون في الصلاة، وهو قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" 29.
ولا يلزم عليه الخطوة والخطوتان 30؛ لأنه لا يختلف عمدها وسهوها، وكذلك الالتفات.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يبطل الطهارة والصلاة، فأبطل = ويزيد هو: أبو خالد الدالاني، الأسدي، الكوفي، اسمه: يزيد بن عبد الرحمن، قال ابن حجر: (صدوق يخطئ كثيرًا، وكان يدلس).
ينظر: التقريب ص 701.
الجزء: 1 - الصفحة: 209
الصلاة في الحالين، والكلام لا يبطل الطهارة، ويبطل الصلاة، فاختلف عمده وسهوه؛ كالسلام.
قيل له: العمل الكثير لا يبطل الطهارة، ويبطل الصلاة، ويستوي عمده وسهوه؛ ولأنه من كلام الناس، فوجب أن يفسد الصلاة؛ كما لو تعمد.
ولا يلزم عليه السلام؛ لأنه ليس من كلام الناس، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" 31؟ ووجدنا السلام مثله مسنون في الصلاة، فلو كان من كلام الناس، لما كان مسنونًا في الصلاة.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكْرِهوا عليه" 32.
والجواب: أن ظاهره يقتضي أن يكون نفسُ النسيان مرفوعًا عن الأمة، وقد علمنا وقوع النسيان منهم، فعلم أن المراد بالخبر غيرُ ما يقتضي ظاهره، فلا يخلو إما أن يكون المراد به المأثم، أو الحكم، وليس واحد منهما مذكورًا في الخبر، فسقط التعلق به.
فإن قيل: نحمله عليهما.
قيل له: العموم يُدّعى في الألفاظ، والمأثم والحكم غير مذكورين 33
الجزء: 1 - الصفحة: 210
في اللفظ، فلا يصح ادعاء العموم فيهما.
واحتج: بحديث معاوية، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبطل صلاته 34، وقد أجبنا عنه، وجعلناه حجة لنا من الوجه الذي بينا.
واحتج: بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنه قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشاء، فسلم في الركعتين، ثم استند إلى جذع في المسجد، وخرج سرعان الناس وهم يقولون: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة [، أم نسيت]؟ فقال: "لم تقصر، ولم أنس"، فقال: بل نسيت، قال: "كل ذلك لم يكن"، ثم أقبل على أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، فقال لهما: "أحق ما يقول ذو اليدين؟ "، فقالا: نعم، فعاد إلى مكانه، وأتم صلاته 35.
فوجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم، وعنده: أنه قد أتم الصلاة، فكان بمنزلة الناسي، وكذلك ذو اليدين تكلم، وعنده: أن الصلاة قد قصرت، فظن أنه يتكلم في غير الصلاة، فكان في حكم الناسي، ومع ذلك فلم يستأنف النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل بنى على ما مضى منها.
والجواب: أن الكلام في الصلاة كان مباحًا في ذلك الوقت، ورُوي عن الزهري: أنه قال: [كان ذلك قبل استحكام الفرائض]، ويدل على ذلك أيضًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لم تقصر، ولم أنس" قال ذو اليدين: بل نسيت،
الجزء: 1 - الصفحة: 211
هكذا رواه أبو داود 36، فتكلم عامدًا بعد ما علم أن الصلاة لم تقصر، وأنه بعدُ في الصلاة، وكذلك أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - تكلما بعد علمهما أنهما في الصلاة، ولم يأمرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة الصلاة.
فإن قيل: روى أبو داود 37 هذا الحديث بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - إلى قوله: "قال له ذو اليدين: بل نسيتَ يا رسول الله، فأقبل على القوم، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فأومؤوا 38؛ أي: نعم، ففي هذا الخبر أنهم أشاروا ولم يتكلموا، ويروى: "أنهم قالوا: نعم" (2)، وإنما أراد به الإيماء، وسمّاه قولًا؛ لأن ذلك سائغ في اللغة، تقول العرب: قلتُ برأسي ويدي، وقال بعضهم 39:
تقُول إِذا دَرأْتُ لها وَضِينِي ... أَهذا دِينُه أَبَدًا ودِيني 40
الجزء: 1 - الصفحة: 212
يريد: الناقة، فعبّر عن الإشارة والإيماء بالقول.
قيل له: في هذا الخبر: "أن القوم أومؤوا؛ أي: نعم"، وفي رواية أحمد التي تقدم ذكرها 41: أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - قالا: نعم، فثبتهما جميعًا، ونقول: أشار القوم؛ أي: نعم، وقال أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - بلسانهما: نعم.
فإن قيل: لم تبطل صلاة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، وإن تكلما عامدين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سألهما عما يقول ذو اليدين، لزمهما أن يجيباه، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا أُبيًّا وهو في الصلاة، فلم يجبه، فلما فرغ، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما منعكَ أن تجيبني إذ دعوتُكَ؟ "، فقال: كنت أصلي، فقال: "أما سمعتَ الله يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24]؟ فقال: لا أعود 42. فدل على أن إجابته في الصلاة كانت واجبة، وإذا وجبت، لم تبطل بها الصلاة، وجرت مجرى القراءة، والركوع، والسجود.
قيل: لزوم الإجابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع الفساد، ألا ترى أنه لو = ومعنى دَرَأْت وضِينَ البعيرِ: إِذا بَسَطْتَه على الأَرضِ، ثم أَبْرَكْته عليه لِتَشُدَّه به، ودَرَأْتُ عن البعير الحَقَبَ: دَفَعْتُه؛ أَي: أَخَّرْته عنه.
ينظر: لسان العرب (درأ).
الوَضِين: بِطانٌ منسوج بعضه على بعض، يُشَدُّ به الرَّحْلُ على البعير.
ينظر: اللسان (وضن).
الجزء: 1 - الصفحة: 213
رأى رجلًا يقتل رجلًا، وأمكنه أن يمنعه، لزمه أن يمنعه؟ وإذا فعل، فسدت صلاته.
فإن قيل: حظرُ الكلام في الصلاة كان بمكة، وقصةُ ذي اليدين بالمدينة، يدلك على صحة ذلك: ما روي أن عبد الله قدم من الحبشة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي عند الكعبة، فسلم عليه، فلم يرد عليه، الخبر 43.
قيل له: الكلام كان مباحًا بالمدينة، ألا ترى أن أبا عمرو الشيباني 44 روى عن زيد بن أرقم قال: كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام 45.
وروى رجاء الحافظ 46 في كتابه ........................
الجزء: 1 - الصفحة: 214
قال 47: كنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 48 حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، فأُمِرْنا حينئذ بالسكوت.
ورُوي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: كنا نرد السلام في الصلاة، حتى نُهينا عنه 49.
وزيد بن أرقم وأبو سعيد لم يُسْلِما بمكة، وهما من الأنصار.
وقال صالح بن أحمد 50: قلت لأبي: قصة ذي اليدين قبل بدر أو بعد بدر؟ فقال: أبو هريرة يحكيه، وكان إسلامه بعد وقعة خيبر، وإنما صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سنين وشيئًا 51، وهذا يدل على أنه رأى النسخ بالمدينة، وقولهم: إن عبد الله بن مسعود قدم والنبي - صلى الله عليه وسلم - يُصلي عند الكعبة غلط؛ لأن في هذا الخبر: أن عبد الله قدم من الحبشة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان
الجزء: 1 - الصفحة: 215
يتأهب للخروج إلى بدر، وذو اليدين صاحب القصة كان حيًا يومئذ، وقتل ببدر بعد ذلك، فيجوز أن تكون قصته قبل قدوم عبد الله من الحبشة في حال كان الكلام مباحًا، ثم حظر الكلام، فقدم عبد الله والكلامُ محظور 52، فخرج ذو اليدين إلى بدر، وقتل، وإذا ثبت أن قدومه كان عند تأهبه، امتنع أن يكون قدومه بمكة؛ لأنه من المدينة خرج إلى بدر.
فإن قيل: الذي قتل يوم بدر كان يقال له: ذو الشمالين، والذي تكلم في الصلاة ذو اليدين، والدليل على ذلك: ما روى علي بن سعيد قال: سألت أحمد - رحمه الله - عن قصة ذي اليدين، وقصة الخرباق؟ قال: لا، هما حديثان 53.
وقال أيضًا في رواية الميموني - وقد قيل: لو أنهم يقولون: إنه قتل يوم بدر -، فقال: ليس من هذا شيء.
وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي 54: حديث عمران بن
الجزء: 1 - الصفحة: 216
حصين غير حديث أبي هريرة، وكانا في وقتين مختلفين، والخرباق غير ذي اليدين، والدليل عليه: أن عمران بن حصين روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلّم من ركعتين، فدل ذلك على أحدهما غير الآخر.
ولأن أبا محمد القتبي 55 قال في المعارف 56: "ذو اليدين، كنيته: أبو محمد 57، واسمه: عمير 58، وكان من خزاعة، قال: وهو الذي كلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة.
قيل له: قد قيل: إن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وكان طويل اليدين يعرف بذي الشمالين، فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقال له: ذو الشمالين، فقال: "أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟ ". = والحميدي هو: عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة، الإمام، الحافظ، الفقيه، شيخ الحرم، أبو بكر القرشي، الأسدي، قال أحمد بن حنبل: الحميدي عندنا إمام.
له كتاب المسند، توفي سنة 219 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (10/ 616).
الجزء: 1 - الصفحة: 217
وروى الزهري أنه قال 59: ذو اليدين قتل يوم بدر، وأن ذا اليدين وذا الشمالين واحد 60. وروي عن يحيى بن معين: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، واسمه الخرباق 61. وفي بعض الأخبار رُوي عن 62 [أبي] 63 قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: سلّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاث ركعات من العصر، ثم دخل الحجرة، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان طويل اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا يجر رداءه، فقال: "أصدق؟ "، قال: نعم، فصلى تلك الركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم 64. وقد روى أحمد - رحمه الله - هذا اللفظ 65، على أن أكثر ما فيه أن ذا اليدين غير ذي الشمالين، وأن القصة تأخرت عن قدوم ابن مسعود،
الجزء: 1 - الصفحة: 218
وهذا لا يضير 66؛ لأن الكلام أُبيح بعد ذلك، والدليل عليه: ما روى زيد بن أرقم قال: كنا نتحدث في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، فأمرنا بالسكوت 67. وزيد بن أرقم أصغر سنًا من أبي هريرة - رضي الله عنهما -. فإن قيل: فأبو هريرة هو الذي روى قصة ذي اليدين، وعمران بن حصين، وإسلامُهما متأخر، وقد بين ذلك محمد بن نصر المروزي 68 في كتابه: الرد على أهل الرأي ومخالفتهم لعلي وعبد الله - رضي الله عنهما -، فذكرا لي قال: وأما أبو هريرة، فقال: أسلمتُ والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد فتح خيبر، وقدمت المدينة وبها سباع بن عرفطة 69 الغفاري - رضي الله عنه -، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر، فخرجت إليه، قال: وصحبت النبي - صلى الله عليه وسلم -[ثلاث] سنوات 70.
الجزء: 1 - الصفحة: 219
وقال أبو بكر الحميدي: وأسلم عمران بن حصين بعد بدر 71.
وإذا كان كذلك، دل على أنه كان هذا بعد تحريم الكلام بسنتين.
قيل: يحتمل أن يكون حدّث بالقصة عن غيره، وإن لم يكن قد شاهدها، وكذلك زيد بن أرقم وعمران بن حصين - رضي الله عنهما -، كما قال البراء: ما كلُّ ما نحدِّثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعناه، ولكن سمعنا، وحدَّثَنا أصحابُنا 72.
وروى حماد بن سلمة 73 عن حميد 74، عن 75 أنس قال: والله! = وينظر: الأوسط (3/ 292)، وسير أعلام النبلاء (2/ 589). وأما كتاب الرد على أهل الرأي لابن نصر، فلم أقف عليه، وقد أشار إليه الذهبي في السير (14/ 38).
الجزء: 1 - الصفحة: 220
ما كلُّ ما نحدِّثكم سمعناه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن كان يحدث بعضنا بعضًا 76. وروى ابن جريج 77 قال: نا عمرو 78 عن يحيى بن جعدة 79: أنه أخبره عن عبد الله بن عبد القاري 80 أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول: لا وربِّ هذا البيت! ما أنا قلت: من أدرك الصبح وهو جنب، فليفطر، ولكن محمدًا قاله، وحقِّ ربِّ هذا البيت 81.
الجزء: 1 - الصفحة: 221
ثم لما أُخبر برواية أم سلمة 82 - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبًا من غير احتلام، ثم يصوم يومه ذلك، قال: لا علم لي بهذا، إنما أخبرني به الفضل بن العباس - رضي الله عنهما - 83.
فإن قيل: لو كان كذلك، لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن أبا هريرة لم يكن قد أسلم في ذلك.
قيل له: قوله: صلى بنا، يحتمل أن يريد به: صلى بقومنا، ويعني به: المسلمين، كما قال النزال بن سَبْرة 84 - رضي الله عنه -: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 85.
وكما قال طاوس 86: قدم علينا معاذ، وأراد به: قدم على أهل
الجزء: 1 - الصفحة: 222
بلدنا؛ لأن 87 معاذًا خرج إلى اليمن في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وطاوس لم يكن ولد في ذلك الوقت 88.
وكما قال الحسن 89: خطبنا عتبة بن غزوان، وأراد به خطب أهلَ بلدنا - يعني: البصرة 90 -.
فإن قيل: نحمل حديث زيد بن أرقم على أن المهاجرين كان أحدهم يكلم الرجل إلى جنبه بمكة، ويكون بمعنى قوله: أحدنا يريد به: أحد 91 الصحابة - رضي الله عنهم -، وهم المهاجرون بمكة، فأضافه إليهم على هذا الوجه.
= اسمه ذكوان، وطاوس لقب، قال ابن حجر: (ثقة، فقيه، فاضل)، توفي سنة 106 هـ. ينظر: التقريب ص 289.
الجزء: 1 - الصفحة: 223
قيل له: لا يصح هذا؛ لأنه ذكر في الخبر: كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وهذا في سورة البقرة 92، وهي مدنية، قال أحمد - رحمه الله - في رواية المروذي: أربع سور نزلت بالمدينة: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة 93.
واحتج: بأنا قد علمنا بأن الكلام في الصلاة لم يكن يبطلها، وقد تيقنا ورود النسخ في العمد، فيجب أن يكون حكم السهو باقيًا على ما كان في الأصل.
والجواب: أن الذي أوجب بطلان الصلاة بكلام العامد هو الذي يوجب بطلانها بكلام الساهي، فلا معنى للفرق بينهما.
فإن قيل: الذي يوجب بطلان الصلاة بكلام العامد هي 94 الأخبار التي فيها نهي عن الكلام، والناسي لا يتوجه إليه النهي.
قيل له: إن يتوجه إليه، جاز أن يدخل تحت الخبر الذي صورته الإخبار؛ مثل قوله: الكلام يبطل الصلاة، ولا يبطل الوضوء، ومثل حديث معاوية 95، وعلى أن إباحة الكلام في الصلاة ونفي بطلانها بالكلام حكم ثابت في الأصل، فالحكم ببطلانها بكلام الناسي لا يكون نسخًا،
الجزء: 1 - الصفحة: 224
فيجوز أن يثبت بدلالة القياس.
واحتج: بأن الناسي كالجاهل في سقوط المأثم، ثبت أنه لو كان جاهلًا بتحريم الكلام في الصلاة، لم تبطل صلاته، كذلك إذا كان ناسيًا.
والجواب: أن الجاهل بتحريم الكلام يتكلم بإباحة سابقة؛ لأن الكلام كان مباحًا في صدر الإسلام.
بدليل: ما تقدم من الأخبار، فلهذا لم يثبت حكم النسخ في حقه إلا بعد العلم، وليس كذلك الناسي؛ لأن الكلام حصل منه بعد علمه بنسخه، فلهذا لم يعذر فيه.
فإن قيل: فالناسي أعذر من الجاهل، بدليل: أنه لو أكل في الصوم ناسيًا، لم يبطل صومه، ولو أكل جاهلًا بتحريم الأكل، بطل صومه.
قيل: إنما لم يعذر الجاهل 96؛ لأنه لم يسبق في الشرع إباحة [الأكل] في حال الصوم، وها هنا قد سبق إباحة الكلام، وأما إذا أكل ناسيًا، فإنما لم يبطل صومه؛ لما يأتي الكلام عليه.
واحتج: بأن الكلام معنى يختص بإفساد الصلاة، فوجب أن لا يفسدها بسهوه؛ قياسًا على السلام، وفيه احتراز من الحدث؛ لأنه يفسد الطهارة والصلاة جميعًا، فلم يكن مختصًا بإفساد الصلاة، وربما قالوا: نطقٌ حرّمتْهُ الصلاة، فوجب أن يختلف عمده وسهوه، أصله: السلام.
والجواب: إن مثله مسنون في الصلاة، فجاز أن يختلف حكم عمده
الجزء: 1 - الصفحة: 225
وسهوه، وليس كذلك الكلام؛ لأن مثله غير مسنون في الصلاة، فلا يختلف حكم سهوه وعمده؛ كالجماع.
قيل: الحلق مأمور به في الحج والعمرة في موضع، وقتل الصيد غير مأمور به، ثم إذا قدم الحلق في الإحرام على موضعه، كان حكمه حكم قتل الصيد فيما يتعلق به من الفدية، ولم يجز أن يفرق بينهما بأن أحدهما نسك في هذه العبادة، والآخر ليس بنسك، كذلك لا يجوز أن يفرق بين الكلام والسلام بهذا الفرق.
قيل له: الحلق غير مأمور به في حال هذه العبادة، فلم يختلف حكمه وحكم قتل الصيد في حال الإحرام، واستوى أيضًا حكم عمده وسهوه؛ كالكلام لما لم يكن مسنونًا في حال الصلاة، وهو قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" 97، فجاز أن يختلف حكم عمده وسهوه.
واحتج: بأنه معنى تمتنع منه 98 العبادة منعًا يختص بالعبادة، فسهوه لا يبطلها؛ كالأكل في الصوم.
والجواب: أنا لا نسلِّم الوصف في الأصل؛ لأن الأكل لا يختص
الجزء: 1 - الصفحة: 226
النهي عنه بالصوم؛ لأنه ممنوع منه في الصلاة أيضًا، وعلى أن الصلاة أعم في الفساد من الصوم؛ لأنه يفسدها ما لا يفسد الصوم من الكلام، والعمل، والحديث.
ولأن الصوم حجة عليهم؛ لأنه لو ظن أن الشمس قد غربت، فأكل، ثم بان أنها لم تغرب، فعليه القضاء، ولو ظن أنه قد خرج من الصلاة فتكلم، فصلاته صحيحة، وكان يجب أن يقولوا: تبطل كالصوم، وعلى أن الصوم ينعقد، وإن لم يقصد انعقاده، وهو بكونه 99 نائمًا، أو مغمى عليه حين طلوع الفجر، فجاز أن يكون ما يفسده يختلف بقصده وعدم قصده، والصلاة لا يصح انعقادها من غير قصده، فجاز أن لا يختلف ما يفسدها بالسهو.
واحتج: بأن بكر بن محمد روى عن أبيه 100 عن أحمد - رحمه الله - فيمن قرأ آية رحمة، فجعلها عذابًا، تمت صلاته، ولا يسجد للسهو 101، ومعلوم أن هذا لا يكون قرآنًا، وقد حكم أحمد - رحمه الله - بصحة 102 الصلاة 103.
الجزء: 1 - الصفحة: 227
والجواب: أن هذا يعتقد أنه يأتي في صلاته بما هو مشروع فيها، فهو كما لو سها، فصلى خمسًا: أن صلاته صحيحة، وكلام الآدميين لم يقصد به هذا، فهو كالعمل في الصلاة إذا كثر من غير اعتقاد أنه من الصلاة، فإن صلاته تبطل، وعلى أنه قد رُوي عن أحمد - رحمه الله - ما يدل على بطلان الصلاة أيضًا، فقال الحسن بن محمد بن الحارث السجستاني (1): سألت أحمد - رحمه الله -: عن الرجل يختم آية رحمة بآية عذاب؟ فقال: هذا أشد، كأنه رأى الإعادة للصلاة، قيل له: فأي حروف تعاد منه الصلاة؟ قال: إذا كان حرفًا يغيّر المعنى، أو كلامًا يشبه هذا (2)، وهذا يدل على البطلان.
17 -