مَسْألَة: من قتله الإمام في حد صلى عليه الإمام:
هذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية ابن منصور وقد سئل عن الصلاة على الزاني والزانية؟ فقال: يصلى عليهما، وعلى ولد الزنا.
وكذا قال في رواية صالح في الذي يقاد منه في حد: يصلى عليه.
فقد أطلق القول بالصلاة عليه ولم يخص أحدًا بذلك.
وهو قول الشافعي رحمه الله.
وقال مالك رحمه الله: من قتله الإمام في حد لم يصل عليه الإمام خاصة.
دليلنا: ما روى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"، وهذا عام في الإمام وغيره.
الجزء: 4 - الصفحة: 310
وأيضًا روى أبو بكر النجاد في سننه قال: حدثنا محمد بن عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن بشير بن مهاجر عن ابن بريدة عن أبيه - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجم الغامدية ثم صلى عليها.
وروى النجاد أيضًا قال: حدثنا محمد بن غالب قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين فصلى على أحدهما، ولم يصل على الآخر.
وروى أيضًا بإسناده عن عمران بن حصين - رضي الله عنهما - قال: أتت امرأة فقالت: يا رسول الله إني زنيت، قالت ذلك مرارًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيكم أولى بهذه؟ فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، فانطلق بها فلتكن عندك، فإذا وضعت فأت بها، قال: فأتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ما وضعت، فرجمت، ثم قال لأصحابه: "قوموا نصلي عليها"، فقال عمر - رضي الله عنه -: الزانية الزانية، فقال: "لقد تابت توبة لو تابها سبعون من أهل المدينة لقبل منهم"، وهذه الأخبار نصوص.
ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -:
وروى النجاد بإسناده عن عمران بن حصين - رضي الله عنه -: أن امرأة من جهينة اعترفت بالزنا فرجمها ثم صلى عليها.
وروى بإسناده عن أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه -: أنه رجم امرأة اعترفت بالزنا وصلى عليها.
الجزء: 4 - الصفحة: 311
وهذا إجماع الصحابة؛ لأنه لم يظهر منهم نكير.
ولأنه مسلم قتل بحق فلم يمنع ذلك من صلاة الإمام عليه، دليله: إذا قتل قصاصًا.
واحتج المخالف: بما روى أبو برزة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على ماعز، ولم ينه عن الصلاة عليه.
والجواب: أنا قد روينا أنه قد صلى على المرجوم، وعلى الزانيين، ويجوز أن يكون ترك الصلاة على بعضهم، ليبين جواز الترك.
واحتج: بأن في امتناع الإمام من الصلاة عليه ردعًا وزجرًا، فيجب أن يمتنع منه، كما قلتم: في قاتل نفسه، وفي الغال.
والجواب عنه: أن الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: من جهة الظاهر.
والآخر: من جهة المعنى.
أما من جهة الظاهر: فما روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يصل على قاتل نفسه، وعلى الغال.
وروي أنه صلى على المرجومة والمرجوم فافترقا من جهة الظاهر.
وأما من جهة المعنى: فهو أن المقتول في الحد قد خفف عنه، وقد عوقب بالحد، وأما قاتل نفسه، والغال فلم يحدا، فجاز أن يعاقبا بامتناع صلاة الإمام عليهما، والله أعلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 312
93 -