مَسْألَة: من شرط صلاة العيد الاستيطان، والعدد، والإمام، على اختلاف الروايتين في اعتبار الإمام في الجمعة:
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية جعفر بن محمد في أهل القرى إذا خرجوا في العيدين: يصلون أربعًا إلا أن يخطب رجل فيصلون ركعتين.
وذكر شيخنا في كتابه رواية أحمد بن القاسم عن أحمد رحمه الله
الجزء: 4 - الصفحة: 65
أنه قال: لا يصلي العيد إلا بأربعين رجلًا.
وقال أيضًا في رواية عبد الله وقد سأله عن أهل القرية يكونون 1 ثلاثمائة نفس أيجمعون 2 للعيدين؟ فقال: لا بأس بإذن الإمام، فإن صلوا وحدانًا يصلون أربعًا، إنما التكبير 3 إلى الإمام.
وقال أبو بكر في العيدين: هل يصلون جماعة بخطبة بغير إذن الإمام؟ قد ذكرنا في الجمعة على قولين، وبنى صلاة العيد على الجمعة.
وقال أيضًا باب الرد على من قال: إن الرجل إذا صلى وحده أنه يكبر مثل تكبير الإمام بالجماعة.
وقال: لا يكبر إلا في الجماعة إذا كان إمامًا يخطب بهم، فإذا لم تكن خطبة فهي على معنى الجمعة إذا فاتته يصلي أربعًا.
وظاهر ما حكيناه عن أحمد، وعن أبي بكر رحمهما الله يدل على أن من شرطها: الاستيطان، والعدد.
وقد روى أحمد رحمه الله ما يدل على أنه ليس من شرطها العدد، وأن لكل واحد من الرجال والنساء أن يصليها منفردًا فقال حنبل: قال مالك: وكل من صلى لنفسه صلاة العيد من رجل أو امرأة فإني أرى أن يكبر في الأولى سبعًا قبل القراءة وخمسًا في الآخرة قبل القراءة، قال
الجزء: 4 - الصفحة: 66
حنبل: سئل عمي عن ذلك، فقال: إن شاء كبر، إن شاء لم يكبر.
وقال أيضًا في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سئل: على المرأة صلاة؟ فقال: ما بلغنا في هذا شيء، ولكن أرى أن تصلي وعليها ما على الرجال يصلين في بيوتهن.
وهذا يدل على [أنه] ليس من شرطها العدد، ويصح فعلها منفردًا، وإذا ثبت ذلك عنه في إسقاط العدد ثبت إسقاط اعتبار الاستيطان.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: من شرطها المصر، والإمام، والعدد، وبنى ذلك على أصله في الجمعة، وأن من شرط إقامتها: المصر، والإمام، والكلام في العيدين كالكلام في الجمعة وقد مضى.
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: ليس من شرطها الاستيطان، والعدد، ولكل واحد من الرجال والنساء أن يصليها منفردًا.
فالدلالة على أن من شرطها الاستيطان: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة في رمضان وخرج منها إلى هوازن، واتفق له العيد في السفر، ولم يُرو أنه صلى في سفره ذلك صلاة العيد، فلو جاز ذلك [لصلاه] 4 النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو صلى لنقل.
فإن قيل: على المنقول في هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من المدينة لفتح مكة لعشرين مضين من شهر رمضان، وفتحها وأقام فيها عشرين يومًا، ومعلوم أن العيد صادف مكة.
الجزء: 4 - الصفحة: 67
قيل له: لو صادف مكة لأقامها 5، ولو أقامها لنقل، فلما لم ينقل، علم أنه كان مسافرًا، وإذا ثبت بهذا الخبر أن من شرطها الاستيطان، وجب أن يكون من شرطها العدد.
أو نقول: فلم يصح السفر، دليله: الجمعة، وإن شئت قلت: صلاة شرع لها الاجتماع، والخطبة، فكان من شرطها الاستيطان.
أو نقول: فكان من شرطها العدد.
أو نقول: فلم يصح في السفر، دليله: الجمعة.
أو نقول: صلاة عيد فهي كالعيد.
فإن قيل: الجمعة مردودة إلى ركعتين بشرائط منها: الاستيطان، والعدد، وليس كذلك صلاة العيد؛ لأنها ليست بإحالة فرض، فجاز فعلها في الأسفار.
قيل له: افتراقهما في هذا الموضع لا يوجب افتراقهما فيما اختلفنا فيه، كما لم يوجب افتراقهما في بقية الشرائط من الخطبة، والجهر بالقراءة، وكونها ركعتين، وكونها صلاة عيد.
واحتج أصحاب الشافعي - رضي الله عنهم -: بأنها صلاة تجوز للمقيم في الصحراء، فجاز فعلها للمسافر في سفره، أصله: صلاة الخسوف، والاستسقاء، وسائر التطوعات.
والجواب: أن الصحراء في حكم المصر؛ لقربها منه، فجرت
الجزء: 4 - الصفحة: 68
مجرى البنيان، وليس كذلك فيما بعد عنها؛ لأنها ليست في حكم المصر، وعلى أن المعنى في سائر الصلوات أنها ليست صلاة عيد، وهذه صلاة عيد أشبه صلاة الجمعة.
واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله: بما روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع.
والجواب عنه: ما تقدم في مسائل الجمعة، وعلى أنه قد قيل: التشريق هو الأضحية التي تفعل إذا ارتفعت الشمس، والله تعالى أعلم.
18 -