مَسْألَة: منيُّ الآدميين طاهر في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية خطاب بن بشر 1، فقال: يفركه، أو يغسله.
ولو كان نجسًا، ما كان الفرك يطهره، وبه قال الشافعي - رحمه الله - 2، وداود 3.
وفيه رواية أخرى: أنه نجس 4، فإن كان رطبًا، غُسل، وإن كان يابسًا، فُرك، نص على هذا في رواية عبد الله 5: إن كان فاحشًا، أعاد، وإن فرك الثوب، أجزأت صلاته.
وكذلك نقل إسماعيل بن سعيد عنه 6: أنه إن كان فاحشًا رطبًا، أو يابسًا، أعاد الصلاة، وإن مسحه وهو رطب، لم يعد الصلاة.
فقد نص على نجاسته، وفرّق بين يسيره وكثيره؛ كالدم،
الجزء: 2 - الصفحة: 35
وأجاز فركه، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - 7.
وقال مالك - رحمه الله -: هو نجس، إلا أنه لا بد من غسله، رطبًا كان أو يابسًا 8.
وجه الرواية الأولة في طهارته: ما روى أبو بكر النجاد في كتاب: الطهارة، بإسناده عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المني يصيب الثوب؟ قال: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إِذْخِرَة" 9، فمن هذا الخبر دليلان: أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أَمِطْه بإِذخره"، وهذا صفة المني الرطب؛ لأن اليابس لا تصح إماطته، وعندهم: يجب غسله إذا كان رطبًا.
والثاني: شبهه بالمخاط، والبصاق، وذلك يقتضي طهارته.
فإن قيل: الصحيح من هذا الخبر: أنه موقوف على ابن عباس - رضي الله عنهما -، هكذا قال أحمد - رحمه الله - في رواية صالح 10، وحنبل، ورُوي عن ابن
الجزء: 2 - الصفحة: 36
عباس - رضي الله عنهما -: أنه سَهَّلَ فيه.
قيل له: قد رواه أبو بكر النجاد مسندًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فروى عن إبراهيم الحربي عن سعيد بن يحيى بن أزهر 11 قال: نا إسحاق بن يوسف 12 قال: نا شريك 13، ومحمد بن عبد الرحمن 14 عن عطاء، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذكر الحديث، وإذا ثبت مسندًا أو موقوفًا، كان أثبتَ له؛ لأن الصحابي إذا كان عنده توقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم -، أفتى به، فينقل عنه مرة موقوفًا، ومرة مسندًا.
فإن قيل: قال أبو بكر الرازي 15: سمعت عبد الباقي بن قانع 16 يقول:
الجزء: 2 - الصفحة: 37
هذا حديث يرويه سريع الخادم 17 عن إسحاق الأزرق عن شريك، وسريعٌ 18 ليس بشيء.
قيل له: قول عبد الباقي: إن سريعًا 19 ليس بشيء، لا يقدح في روايته، على أنا قد بينا إسناده عن إبراهيم الحربي عن سعيد بن يحيى بن أزهر، عن إسحاق، عن شريك، وليس فيه سريع، وكذلك رواه الدارقطني بهذا الإسناد.
فإن قيل: قوله: "أمطه" يقتضي الإماطة، وإذا وجبت الإماطة، ثبتت نجاسته؛ لأن حكمه بطهارته لا يوجبها.
قيل له: لما أمر بإماطته بالإذخر، دل على أنه لم يرد بالأمر الوجوب؛ لأن أحدًا لا يوجب إماطته بالإذخرة.
فإن قيل: تشبيهه بالمخاط لا دلالة فيه؛ لأنه لم يقل: كمخاط 20 في الطهارة.
قيل له: تشبيهه عامٌّ في الطهارة وفي غيرها، ولأنه لا يخلو إما أن
الجزء: 2 - الصفحة: 38
يريد تشبيهه في طهارته، أو في صفته، ولا يجوز أن يكون المراد به في الصفة؛ لأن ذلك مدرَك بالحس والمشاهدة، فعلم أنه أراد تشبيهه في الطهارة التي تخفى.
وأيضًا: ما روى ميمون بن مهران 21 عن (سليمان بن يسار) 22، عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها قالت: كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي فيه 23، وهذا حديث صحيح، ولو كان نجسًا، لم تنعقد صلاتُه بفركه.
فإن 24.
قيل له: لو كان الكثير يخالف القليل، لبينته عائشة - رضي الله عنها -؛ لأنها ذكرت احتجاجًا على طهارته، فلو كان يختلف، لبينته.
الجزء: 2 - الصفحة: 39
والقياس: أنه خارج من حيوان طاهر يُخلق منه مثلُ أصله، فوجب أن يكون طاهرًا؛ قياسًا على البيض، وقولنا: (خارج من حيوان) يحترز به من الدود المتولد من العذرة، فقد قيل: إنه طاهر؛ لأنه ليس بخارج من حيوان، وعلى أنا لا نعلم أن السرجين يخلق منه الدود، بل يجوز أن يخلق فيه مبتدأ لا منه، وقولنا: (طاهر) يحتزر به إذا خرج من حيوان نجس؛ كالكلب، والخنزير ونحوه، وقولنا: (يخلق منه مثلُ أصله) يحترز به من البول؛ لأنه خارج من حيوان طاهر، وهو نجس، وكذلك الحيض، والاستحاضة.
فإن قيل: المعنى في البيض: أنه يجوز الانتفاع به من جهة الأكل قبل موت الحيوان، وبعد موته، وهذا المعنى بخلافه.
قيل له: بيض الطيور التي لا يحل أكلها؛ كالباز، والصقر، والرخم، والنسر وغيره طاهرٌ عندك، وإن لم يحل الانتفاع بها بالأكل، فبطل هذا، وعلى أنه إنما لم يحل أكله؛ لأن ما يتولد منه من الحيوان لا يحل أكله، وهو الآدمي، والبيض يحل أكل ما يتولد منه من الحيوان، وهو الدجاج، فحل أكله، فعلى هذا لما كان ما يتولد منه من الحيوان طاهر يجب أن يكون هو أيضًا طاهر؛ اعتبارًا بالأكل.
فإن قيل: هذا منتقض بالعلقة؛ فإنها يخلق منها طاهر، وهي نجسة.
قيل له: ابتداء الخلق من المني، وإنما تتغير أحواله بالعلقة، والمضغة، كما أن البيض ابتداؤه طاهر، ثم يتغير في الثاني.
وقياس آخر: وهو أن ما لا يجب غسله إذا كان يابسًا، لا يجب
الجزء: 2 - الصفحة: 40
غسله إذا كان رطبًا، دليله: البصاق، والمخاط.
ولأنه مائع ينشر الحرمة، فكان طاهرًا؛ كاللبن من آدمية، ونشر الحرمة به ما ينعقد منه من البنوة، ولأنه مبتدأ خلق البشر، فكان طاهرًا، دليله: التراب مبتدأ خلق آدم - عليه الصلاة والسلام - بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: 26] , والصلصال: الطين اليابس الذي إذا نقرته 25، صَلَّ، وهذا قبل أن تمسه النار، فإذا مسته، فهو فخار 26، والحمأ: جمع حَمْأَة، وقوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾ قد قيل: مصبوب، من قولهم: سنيت الماء؛ أي: صبيته، وقيل: متغير، قال الله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259]: لم يتغير 27.
فإن قيل: آدم من البشر، ولم يخلق من المني، وولد آدم من البشر، ولم يخلق من التراب، وإنما خلقوا من المني.
قيل له: يصح أن يقال: ما خُلق منه آدم، فهو أصل لأولاده، والمني فهو أصل لهم، فيصح أن يقال: إنه مبتدأ خلقهم، على أنا لم ندع أن الصلصال [ابتداء] خلق كل بشر، ولا المني ابتداء خلق كل بشر، بل ادعينا أن كل واحد منهما ابتداءُ خلق بشر، وهذا مسلَّم، وقد قال بعضهم: مبتدأ خلق آدمي، فهو كالصلصال، وهذا غير صحيح؛ لأن التراب أصلُ آدم، والمني أصل ولده، وليس آدم بآدمي، وإنما ذلك اسمٌ لولده، والصحيح
الجزء: 2 - الصفحة: 41
هو الأول؛ لأن البشر اسمٌ له ولولده، قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: 33].
ولأن الخارج من مخرج الحدث على ضربين: مائع، وجامد، ثم الجامد منه ما هو طاهر، وهو الولد، والحصاة الخارجة من الدبر، ومنه النجس، وهو [الغائط] 28، كذلك المائع وجب أن يكون منه طاهر، وليس إلا المنى.
واحتج: بما رُوي عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها قالت: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغسل المني من الثوب إذا كان رطبًا، وبفركه إذا كان يابسًا 29، وأمرُه على الوجوب، وإذا وجب غسلُه، ثبتت نجاسته؛ لأن أحدًا لا يقول: إنه طاهر، ويجب غسله.
والجواب: أنا نحمل ذلك على طريق الاستحباب؛ بدليل: ما روينا
الجزء: 2 - الصفحة: 42
عن عائشة، وابن عباس - رضي الله عنهم -.
واحتج: بما رُوي عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - قال: مَرَّ بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أسقي راحلتي، وتنخَّمت، فأصابتني نُخامتي، فجعلت أغسل ثوبي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما نُخامَتُك ودموعُ عينيك إلا بمنزلة واحدة، إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول، والمني والدم والقيء" 30.
والجواب: أنا نحمل قوله على طريق الاستحباب.
واحتج: بأن خروجه يوجب الغسل، فأشبه دم الحيض.
والجواب: أن نجاسة الشيء غير متعلقة بكونه موجبًا للغسل، بدليل: الاستحاضة، والبول، والمذي، وعلى أنه ينتقض بخروج الولد، وليس معه نفاس، فإنه يوجب الغسل، وليس بنجس، وعلى أن المعنى في الحيض.
أنه يجب غسله يابسًا، فكان نجسًا، والمني لا يجب غسله يابسًا، فلم يكن نجسًا؛ كالبزاق؛ ولأن الحيض خارج لا يُخلق منه طاهر، فكان نجسًا، وهذا يخلق منه طاهر، فهو بالبيض أشبه.
واحتج: بأنه مائع ينقض الوضوء، أشبهَ البولَ، والمذيَ.
والجواب: أن كونه مائعًا لا تأثير له في النجاسة؛ بدليل: الغائط، والبول هما سواء في التنجيس، وإن كان أحدهما جامدًا، وعلى أن المعنى في ذلك: ما تقدم، وهو أنه يجب غسله يابسًا، وهذا بخلافه، ولأن ذلك لا يخلق منه طاهر، وهذا بخلافه، فهو كالبيض.
الجزء: 2 - الصفحة: 43
واحتج: بأن المذي من أجزاء المني؛ بدلالة: أنه يخرج للشهوة كما يخرج المني، ثم المذي نجس، كذلك المني.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أن المذي يجب غسلُ نجاسته، ولا يخلق منه طاهر، وهذا بخلافه، وعلى أنه قد منع قوم كونَ المذي من أجزاء المني، وقد تقدم الكلام في ذلك في كتاب: الطهارة.
واحتج: بأن المني - وإن كان طاهرًا -، فهو يخرج من مخرج الحدث، فيتنجس حالَ خروجه.
والجواب: أنه قد قيل: إن مجراهما في الباطن مختلف، وقد نص أحمد - رحمه الله - على هذا في رواية بكر بن محمد (1) - وقد سأله عن المذي أشد أو المني؟ -، قال: هما سواء، ليسا من مخرج البول، إنما هو من الصلب والترائب.
وعلى أن نجاسة الباطن لا حكم لها؛ لأنه لا ينفك منها، ولأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ [النحل: 66]، وذلك اللبن ليس بنجس، ويوضح هذا: أنه يجوز الاقتصار على فركه، والفرك لا يجوز في البول، فدل على أن نجاسة الباطن لا حكم لها.