مَسْألَة: لا يكره للعبد والمسافر والمريض أن يصلُّوا الظهر في يوم الجمعة جماعة
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية حنبل 3: في المسافرين إذا أدركهم يوم الجمعة، وحضرت صلاة الظهر: صلوا بأذان وإقامة، إنما هي ظهر.
الجزء: 3 - الصفحة: 173
وقال في رواية المروذي 4: في القوم تفوتهم الجمعة، فإن كانوا ثلاثة أو أربعة، جمعوا، قد صلى عبد الله بعلقمة والأسود - رضي الله عنهم -، فقال له رجل: إنا جمعنا في المسجد، فاجتمع الناس علينا، فتبسم، وقال: [ ... ] 5 من العامة، ونحو هذا نقل حنبل، وقال في رواية الأثرم 6: فيمن فاتتهم الجمعة إذا كانوا اثنين وثلاثة، جمعوا، فإذا كانوا أكثر من ذلك، فلا أعرفه، وبهذا قال الشافعي 7 - رضي الله عنه -.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يكره ذلك 8.
دليلنا: ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمسة وعشرين درجة" 9، ولم يفرق.
ولأنه إجماع السلف - رحمهم الله -، فروى أحمد - رحمه الله - 10،
الجزء: 3 - الصفحة: 174
ذكره أبو بكر الخلال في العلل قال: نا عبد الرحمن 11 عن سفيان، عن الحسن بن عبيد الله 12 قال: فاتتني الجمعة أنا وزِرٌّ 13، فصلينا في جماعة، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: قد فعله ابن مسعود بعلقمة والأسود في يوم جمعة 14. وروى أيضًا أحمد - رحمه الله - 15 قال: نا زيد بن حُباب 16 قال: = عبد الله رقم (572)، ومسائل ابن هانئ رقم (452)، وينظر: سير أعلام النبلاء (11/ 298).
الجزء: 3 - الصفحة: 175
أخبرني جميل بن عبيد 17 الطائي 18 قال: جئت إلى المسجد يوم الجمعة، فوجدت الناس قد صلوا، وجاء إياس 19 - وهو يومئذ قاضي 20 البصرة - قال: فصلى بنا في الزاوية 21، فتقدم، فصلَّى بنا في جماعة 22. وروى أيضًا أحمد - رحمه الله - 23 قال: نا عبد الرحمن عن أبي عوانة 24، عن بعض أصحابه: أن سويد بن غفلة فاتته الجمعة، فصلى الظهر في جماعة 25. وروى أحمد 26 عن عبد الرزاق عن سفيان: أنه كان ربما جمع
الجزء: 3 - الصفحة: 176
الأعمش 27 بعد الجمعة 28.
ولأنها صلاة، فاستحب فعلها في جماعة؛ دليله: سائر الصلوات، وسائر الأيام.
فإن قيل: لما استحب إظهار الجماعة في غير يوم الجمعة، لهذا استحب فعلها فيه، وليس كذلك في يوم الجمعة؛ لأنه لا يستحب إظهارها في المساجد، ولا تكثير الجمع فيها، وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية الأثرم 29: إذا كانوا اثنين أو ثلاثة، جمّعوا، وإذا كانوا أكثر، فلا أعرفه.
قيل له: أما قولك: إنه لا يستحب إظهارها، فليس عن أحمد ما يمنع منه، وقد نقل المروذي عنه: أن رجلًا ذُكر له أنه جمع في المسجد، واجتمع الناس، فلم ينكر عليه ذلك، ولا كرهه، وتبسم إلى ذلك.
وقد نقل إسحاق بن إبراهيم بن هانئ 30 قال: فاتت الجمعة لي ولأبي عبد الله ولرجل آخر، فدخل أبو عبد الله بعض المساجد، فصلى بنا، وقام وسطنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 177
وهذا يدل على أنه ما كان يكره إظهارها.
وأما قلة الجمع 31، وعلى أنه لو كره إظهارها، وكثرة الجمع فيها، لم يضر؛ لأنه ربما اتهموا بالرغبة عن الصلاة خلف الإمام، فيعاقبهم الإمام إذا لم تكن أعذارهم ظاهرة، أما إذا كانت ظاهرة، فلا يكره ذلك، وعلى أن أبا حنيفة 32 - رحمه الله -: يستحب الأذان والإقامة للظهر في يوم الجمعة، ولا يستحب إظهاره 33، ويجيز الفطر في يوم الثلاثين من رمضان إذا رأى هلال شوال وحده، ويُسِرُّ به 34.
فإن قيل: إنما كرهنا إظهار الأذان والإقامة؛ لأنهما يظهران الجماعة، ولما كرهنا الجماعة، كرهنا الأذان.
قيل له: فكان يجب أن لا يستسر بالأذان؛ لأنه يستحب إظهاره، ولما قلت: إنه مستحب، وإن كان مستسرًا به، كذلك الجماعة.
الجزء: 3 - الصفحة: 178
واحتج المخالف: بأن عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخل من عبيد، ومرضى، ومن لا جمعة عليه، وفرضُه الظهر، ولم ينقل أنه - عليه السلام - أمرهم بالصلاة جماعة، ولم نقل أيضًا: إن أحدًا فعل ذلك.
والجواب: أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" 35 يكفي في البيان، وهذا كما قيل لأصحاب أبي حنيفة - رحمهم الله -: قد كانت بالمدينة مباقل 36، ولو كان يجب فيها العُشْر، لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذه، ولو أخذه، لنقل، فقالوا: قوله - عليه السلام -: "فيما سقت السماء العُشر" 37 يكفي في بيان وجوبه، كذلك ها هنا، وعلى أنا قد روينا عن جماعة من السلف فعل ذلك.
واحتج: أنه لو جاز فعلُها في جماعة، لما كُره إظهارها في المساجد؛ كالظهر في سائر الأيام، فلما لم يجز إظهارها في المساجد؛ كالظهر في سائر الأيام، لم يجز الإخفاء بها.
والجواب عنه: ما تقدم، والله أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 179
156 -