مَسْألَة: لا يغسل قتلى أهل العدل ولا يصلى عليهم:
ذكره أبو بكر، ورويناه على من قَتَله اللصوص، وهذا البناء يوجب أن تكون المسألة على روايتين، قلنا فيمن قتله اللصوص في المذهب الصحيح: أنه لا يغسل.
وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.
وللشافعي رحمه الله قولان:
الجزء: 4 - الصفحة: 214
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: يغسل، وهو قول مالك رحمه الله.
دليلنا: ما روى أبو بكر الخلال بإسناده في العلل أن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - قال: ادفنوني في ثيابي فإني رجل مخاصم.
قال مهنا: سألت أحمد رحمه الله عن حديث عمار "ادفنوني في ثيابي" قال: هو حديث إسماعيل بن أبي خالد قال: حدثني يحيى بن عابس، قلت لأحمد: من بني إسماعيل بن أبي خالد؟ قال: وكيع، قلت: وكان هذا عبد وكيع، قال: نعم.
وعن حجر بن عدي - رضي الله عنه - أنه قال: لا تغسلوا عني دمًا فإني ألتقي ومعاوية على الجادة، ذكره عمر بن شبة في كتاب الكوفة.
وذكر سيف في كتاب الفتوح بإسناد: وقتل عثمان - رضي الله عنه - يوم الجمعة، وكان شهيدًا فلم يغسل، وكفن في ثيابه ودمائه ولا غلاميه، وترك القوم الآخرون بالبلاط حتى أكلتهم الكلاب.
وفي لفظ آخر: دفن عثمان - رضي الله عنه - ليلة السبت لم يغسل ولم يمنع أحدًا أن يصلى عليه، صلى عليه مروان 1.
وعن زيد بن صوحان - رضي الله عنه - قال: لا تغسلوا عني دمًا.
فإن قيل: يعارض هذا ما روي أن أسماء بنة أبي بكر - رضي الله عنهما - غسلت
الجزء: 4 - الصفحة: 215
ابنها قال عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - بعد ما أوصى له 2، وكان ذلك بمحضر من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -.
قيل: لعله أن يكون ارتثَّ، ولأنه مسلم قتل ظلمًا لم يرتث ولا وجب غسله في حال حياته فأشبه إذا قتله أهل الحرب.
فإن قيل: المعنى في تلك الشهادة أنها أكمل؛ لأنها عن المسلمين، وهذا قتال للمسلمين على الإمام والرئاسة.
قيل: نقصان الكمال لا يوجب الغسل، بدليل ما ذكرنا: من تجار العسكر إذا قتلوا فإنهم أدون في الشهادة ممن خرج مجاهدًا، ومع هذا لا يغسل.
وقد قيل: قتال أهل البغي واجب للذب عن الدين، ويصلي بهم الإمام صلاة الخوف كما يصلي في قتال المشركين، فهو كقتال أهل الحرب، والمخالف يمنع من هذا، أو يقول: هذا القتال ليس للذب عن الدين، وإنما هو للإمامة والرئاسة، ولهذا لا يغنم أموالهم، وأما صلاة الخوف فإنها تجوز في قتال اللصوص، وقتال من أراد دم رجل مسلم.
واحتج المخالف: بأنه مقتول في غير معترك المشركين فغسل وصلي عليه، دليله: المقتول قصاصًا، وفي الزنا؛ ولأنه مسلم قتل مسلمًا أشبه ما ذكرنا.
والجواب: أن المعنى هناك أن القتل بحق، وليس كذلك ها هنا؛
الجزء: 4 - الصفحة: 216
لأن هذا مسلم قتل ظلمًا يرتث ولا وجب عليه غسل في حياته أشبه المقتول في معترك المشركين، والله أعلم.
61 -