مَسْألَة: لا يصلي الإمام على الغالِّ من الغنيمة، ولا على من قتل نفسه، ويصلي عليه بقية الناس:
نص عليه في رواية المروذي فيمن قتل نفسه، أما الإمام فلا يصلي عليه، وأما الناس فيصلون عليه، هكذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذي قتل نفسه.
وكذلك نقل الفضل بن زياد وقد سئل عمن قتل نفسه؟ فقال: يصلي عليه الناس، ولا يصلي عليه الإمام، قال الفضل: وبلغه عنه، ولم أسمعه منه إن كان يقول في الذي يغل كذلك.
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي رحمهم الله: يصلي عليه الإمام.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن جابر بن سمرة - رضي الله عنه -: أن رجلًا قتل نفسه فلم يصل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وروى زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - قال: توفي رجل من جهينة يوم خيبر فذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "صلوا على صاحبكم"، فتغير وجوه القوم، فلما رأى الذي بهم قال: "إن صاحبكم غل في سبيل الله"، وفتشوا1
الجزء: 4 - الصفحة: 307
متاعه فوجدنا خرزًا من خرز اليهود، والله ما يساوي درهمين.
ولأن في امتناع الإمام من الصلاة عليهم ضربًا من الردع والزجر؛ لأن صلاة الإمام وأهل الفضل شرف للميت، ورغبة في دعائه له.
فإن قيل: فيجب أن يصير هذا المعنى في سائر المعاصي.
قيل له: لا يلزم هذا كما لا يلزم مثله في الشهيد في غير المعترك في أنه يصلى عليه، ويغسل، وشهيد المعترك لا يغسل ولا يصلى [عليه] 2، وكلاهما شهادة، وكذلك بعض المعاصي يستحق بها الحد، ولا يستحق ببقيتها، كذلك ها هنا، على أن أبا بكر المروذي قال: سألت أبا عبد الله عمن شرب الخمر يصلى عليه؟ قال: نعم وأراه قال: إن الإمام لا يصلي، يصلي عليه العامة، نقلتها من خط أبي حفص البرمكي من كتاب الإيمان.
ولأن أبا حنيفة رحمه الله قال: لا يصلى على البغاة إذا قتلوا.
وقال مالك رحمه الله: لا يصلي الإمام على من قتل في حد للمعنى الذي ذكرنا.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"، وهذا عام في الإمام وغيره.
والجواب: أنه محمول على غير الإمام.
واحتج: بأنه من أهل الإسلام، فصلى عليه الإمام إذا مات في غير المعترك، دليله: من لم يقتل نفسه.
الجزء: 4 - الصفحة: 308
والجواب: أنه لم يحصل من ذلك ما يقتضي ردعه وزجره، فلا معنى لامتناع الصلاة عليه، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه حصل منه ما يقتضي ردعه وزجره، فامتناع ردعًا وزجرًا 3.
واحتج: بأنه جاز لغير الإمام أن يصلي عليه، فجاز للإمام أن يصلي عليه، دليله: ما ذكرنا.
والجواب: أنه ليس في امتناع [غير] 4 الإمام ردع وزجر، وليس كذلك في امتناع الإمام؛ لأن فيه ردعًا وزجرًا، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأن قال: ليس يمكن أحدًا أن يمحص الطاعات، ويخلص من الخطيات، فيجب أن لا يمتنع من الصلاة عليه.
والجواب: أنه ليس الغالب من أحوال الناس أن يقتل نفسه، ولا يغل من الغنيمة، وإذا كان كذلك لم يرد امتناع الإمام من ذلك إلى امتناعه من الصلاة على المسلمين.
واحتج: بأن الصلاة على الميت دعاء ورحمة، وأحوج أهل الملة إلى الدعاء والاستغفار هذا الميت.
والجواب: أنا لسنا نمتنع من الدعاء له، والاستغفار من جماعة المسلمين، وإنما منعنا من ذلك الإمام ردعًا وزجرًا.
واحتج: بأن قتله نفسه، والغلول من الغنيمة أكثر ما فيه أنه ارتكاب
الجزء: 4 - الصفحة: 309
معصية أو كبيرة، وهذا لا يمنع الإمام من الصلاة عليه كالزاني المحصن، والقاتل لغيره، والسارق من غير الغنيمة، ونحو ذلك.
والجواب عنه: ما تقدم وهو أنه لا يمتنع أن يختص المنع ببعض المعاصي ولا يختص ببعضها، كما أن منع الغسل والصلاة يختص بنوع من الشهادات ولا يختص بنفسها، وكذلك بعض المعاصي يختص بإيجاب الحد، ولا يجب في جميعها، والله أعلم.
92 -