مَسْألَة: لا يجوز فعل النوافل التي لا سبب لها في الأوقات المنهيِّ عن الصلاة فيها
واختلفت الرواية في التي لها سبب؛ مثل: تحية المسجد، وسجود التلاوة، وصلاة الكسوف، وقضاء الفوائت الراتبة؛ مثل: الوتر، وركعتي الفجر، ونحو ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 101
فروى عنه مهنَّا 3: في سجود التلاوة بعد صلاة الفجر: يجوز.
وكذلك نقل عنه إسماعيل بن سعيد (1): جواز صلاة الخسوف في هذه الأوقات.
وكذلك نقل المروذي عنه (1): في الوتر يقضيها بعد طلوع الفجر، وكذلك نقل الأثرم 4، وأحمد بن الحسن 5 الترمذي 6: يصلي ركعتي الفجر إذا طلعت الشمس، وإن صلاها بعد ما يفرغ من صلاة الغداة، فقد جاء فيه، ويجزئه، وظاهر هذا كله يقتضي جواز فعلها في الأوقات المنهي عنها، وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - 7.
وروى عنه الأثرم 8: سجود التلاوة لا يسجدها بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر، وكذا نقل بكر بن محمد عن أبيه عنه 9: لا يصلي
الجزء: 2 - الصفحة: 102
الكسوف بعد العصر، وكذلك نقل الميموني عنه 10: أن ركعتي الفجر إذا فاتت لا تُقضى حتى تطلع الشمس، وكذلك نقل المروذي عنه 11: في تحية المسجد: يصلي إلا أن يكون وقتًا لا تجوز فيه الصلاة، وظاهر هذا كله المنعُ، وهو قول أبي حنيفة 12، ومالك 13 - رحمهما الله -.
والدلالة عليه: ما تقدم 14 من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يتحرى أحدُكم فيصلَّي عند طلوع الشمس، وعند غروبها؛ فإنها تطلع بين قرنَي شيطان".
وعن عقبةَ بن عامر - رضي الله عنه - قال: "نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلِّي في ثلاث ساعات، وأن نقبر فيهن موتانا: عند طلوع الشمس، وعند الزوال، وعند الغروب" 15.
وعن عمرو بن عَبَسَة - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله! هل في [ساعات] الليل والنهار ساعة يُنهى عن الصلاة فيها؟ فقال: "أما الليل، فالصلاة فيه مقبولة مشهودة حتى تصلي الفجر، ...........................
الجزء: 2 - الصفحة: 103
ثم اجتنب الصلاة حتى 16 ترتفع الشمس؛ فإن الشمس تطلع بين قرنَي شيطان، فإذا ابيضت، فالصلاة مقبولة مشهودة حتى ينتصف النهار، فإذا مالت، فالصلاة مقبولة محضورة حتى تصفر الشمس؛ فإنها تغرُب بين قرنَي شيطان".
وروى أبو سعيد، ومعاذ بن عفراء - رضي الله عنهما - 17، [وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -] 18 قال: حدثني رجال مرضيّون، وأرضاهم عندي عمرُ - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب" 19، ................................................
الجزء: 2 - الصفحة: 104
فهذه الأخبار تدل على العموم 20 على المنع؛ ولأنها نوع نافلة، فلم يجز أداؤها في هذه الأوقات، دليله: المبتدأة، ولا يلزم عليه قضاء الفوائت؛ لقولنا: نافلة، وكذلك لا يلزم صلاة الجنازة بعد الفجر، وبعد العصر؛ لأنها واجبة في الجملة، ولا يلزم عليه ركعتا الطواف، وإعادة الصلاة في جماعة؛ لأن القياس لنوع النافلة لها سبب، فلا يلزم عليه أعيان المسائل.
وإن شئت قلت: ما له سبب أحد نوعي صلاة النافلة، فجاز أن يؤثر في منعه النهي لأجل الوقت، دليله: النوع الثاني، وهو: ما لا سبب له، ولا يلزم عليه ركعتا الطواف، وإعادة الصلاة في جماعة؛ لأننا عللنا لجملة النوع، وعلقنا الحكم على الجواز، فلا يلزم عليه أعيان المسائل، ولأنه وقت يكره فيه فعلُ النافلة التي لا سبب لها، فجاز أن تكره النافلة التي لها سبب من جنسها، أصله: الصوم في يوم النحر، نمنع من صوم التطوع الذي لا سبب له، ونمنع من الصوم الذي له سبب؛ مثل: يوم الاثنين والخميس إذا صادف يوم العيد، فإنه لا يُصام، وإن كان مندوبًا إلى صيامه، ولا يلزم عليه ركعتا الطواف، وإعادة الصلاة في جماعة؛ لأن التعليل للجواز، وكذلك إذا دخل والإمام يخطب.
فإن قيل: يوم النحر لا يجوز أن يُصام 21 ..................... = الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، رقم (826).
الجزء: 2 - الصفحة: 105
فيه صوم واجب 22 من نذر أو قضاء، كذلك لا يجوز أن ينفل 23، وليس كذلك هذا الوقت؛ لأنه يجوز أن يصلي فيه صلاة واجبة، فجاز أن يصلي غير الواجبة.
قيل: ليس إذا جاز فعلُ الواجب جاز فعلُ النفل؛ بدليل: النوافل التي لا سبب لها، على أن مهنا 24 قد نقل عن أحمد - رحمه الله -: فيمن عليه قضاء من رمضان، فصام يوم العيد، لم يضره، ولم يرد عليه إعادة، وهذا يدل على أنه يجوز أن يصام فيه صوم واجب 25.
واحتج المخالف: بما روى [جابر بن] 26 يزيد 27 بن الأسود عن أبيه - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح في مسجد الخَيْف، فرأى رجلين لم يصليا معه، فقال: "عليّ بهما"، فأُتي بهما ترعد فَرائِصُهما، فقال: "ألستما 28 مسلمين؟ "، قالا: نعم، قال: "فما منعكما أن تصليا معنا؟ "، قالا: يا رسول الله! كنا قد صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، إذا صليتما
الجزء: 2 - الصفحة: 106
في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم؛ فإنها لكم نافلة" 29.
والجواب: أن هذا الخبر وارد في إعادة الصلاة في جماعة، ونحن نقول بموجبه في هذه الصلاة، ولا يلزم الاحتجاج به في غيره من النوافل.
فإن قيل: إذا جاز فعل هذه النافلة، جاز فعل غيرها؛ لأن أحدًا لم يفرق.
قيل له: ليس الأمر على هذا؛ لأننا نحن نفرق، ونجيز هذه النافلة، وإن لم يجز غيرها.
فإن قيل: ففي الخبر تنبيه؛ لأنه إذا دل على جواز هذه النافلة، دل على جواز غيرها من النوافل.
قيل له: ليس في هذا تنبيه على غيرها من النوافل؛ لأن هذه النافلة آكد، ألا ترى أنها استُحِب فيها الجماعة، ولأن من الناس من قال: إنها فرضه، ولأن في تركها إلحاقَ تهمة به، وأنه لا يرى الجماعة، وإلحاق التهمة بالإمام، وأنه ممن لا يرى الصلاة معه؟ وهذه المعاني كلها معدومة في غيرها، فلا يكون جواز فعلها دلالة على غيرها.
وقد أجاب عن هذا الخبر قوم بجوابين: أحدهما: أن قوله: "فصليا معهم" معناه: في غير هذين الوقتين، وهذا لا يصح؛ لأن الخبر ورد على سبب، وهو صلاة الفجر، ولا بد أن يكون للسبب حظ في الخطاب.
الجزء: 2 - الصفحة: 107
والجواب الثاني: أن هذا منسوخ بخبر النهي، وهذا أيضًا 30؛ لأنه متأخر؛ لأنه كان في حجة الوداع، ولأنه لا يجوز حمله على النسخ مع إمكان الجمع بينهما.
واحتج: بما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاة الفجر، فرأى قيسًا يصلي، فلما فرغ، قال له: "ما هذه الصلاة؟ "، قال: ركعتا الفجر فلم ينكر عليه 31.
والجواب: أن ليس معنى أن قيسًا كان صلى الفجر، فلا يلزمنا.
فإن قيل: روي عن قيس بن قَهد 32 - رضي الله عنه -: أنه قال: صليت مع
الجزء: 2 - الصفحة: 108
النبي - صلى الله عليه وسلم - الصبح، فلما فرغت، قمت وصليت ركعتي الصبح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما هاتان الركعتان يا قيس؟ "، فقال: ركعتا الصبح، فلم ينكر عليه.
قيل: لا نعرف هذا، ولو ثبت، احتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم أنه صلى معه صلاة الصبح، وظن أنه لم يدرك معه الفرض، وجاء بعد الفراغ من الصلاة.
وقد أجاب أبو عبد الله بن بطة 33 عن هذا بأجوبة في النهي عن صلاة النافلة بعد العصر والفجر، فذكر إسناده: حماد بن سلمة عن قيس بن سعد 34، عن عطاء - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما هاتان الركعتان؟ "، فقال له: لم أكن صليتهما، فسكت عنه، وعطاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسَل، والمرسل عندهم ليس بحجة.
ورواه محمد بن إبراهيم بن الحارث 35 التيمي عن قيس جد سعد، قال: انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصلي ركعتين بعد الصبح، فقال: "ما هاتان = والد قيس.
ينظر: الإصابة (9/ 143)، والتلخيص (2/ 527)، والحديث مضى تخريجه في الحاشية الماضية.
الجزء: 2 - الصفحة: 109
الركعتان يا قيس؟ "، فقلت: يا رسول الله! لم أكن صليت ركعتي الفجر، فهما هاتان، فسكت، ومحمد بن إبراهيم ضعيف 36، وهو مرسل.
سمعتُ أبا حفص عمر بنَ محمد بن رجاء 37 يقول: سمعت أبا نصر بنَ أبي عصمةَ 38 يقول: نا أبو إسماعيل محمدُ بن إسماعيل
الجزء: 2 - الصفحة: 110
الترمذي 39 يومًا بحديث قيس بن عمرو هذا في مسجدنا بعكبر، ثم قال لنا بعَقِبِه: إن قيس بن عمرو كان يقرُّ في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنفاق 40، ومحمد بن إبراهيم ليس بحجة، ولا ثقة في الحديث، وحديثه هذا مرسَل.
وجواب آخر: وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الإنكار عليه غيظًا؛ ليكون السكوت عنه أكثر، أو أنه كان من المنافقين، يبين صحة هذا: ما حكيناه عن الترمذي، ويعضده: ما بلغني عن محمد بن عمر 41 الواقدي 42 في = عمن في السند؛ حيث كنّاه في الطبقات بأبي طالب، وهنا بأبي نصر، لكن ضعف هذا الظن؛ لأن صاحب الطبقات ذكر في ترجمة ابن أبي عصمة: أن ممن حدّث عنه: أبا حفص عمر بن رجاء، وفي ترجمة عمر بن رجاء ذكر أنه حدّث عن: عصمة بن أبي عصمة.
ينظر: الطبقات (2/ 176 و 3/ 107).
الجزء: 2 - الصفحة: 111
تسمية من كان يحضر صلاة الفجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مخافَة أن يلحقه الوعيد بتحريق بيته، ومن يعرفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بسيماهم، وفي لحن القول، فذكر جماعة، قال فيهم: وقيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث 43 الذي ركع بعد صلاة الفجر، فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: ركعتا الفجر لم أكن صليتهما، فسكت عنه.
ويبين صحة هذا: ما حدثني به 44 أبو القاسم حفص بن عمر 45 بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: صليت الفجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقمت أصلي الركعتين، فجذبني النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "أتصلي الفجر أربعًا؟ ! " 46. = (متروك مع سعة علمه)، توفي سنة 207 هـ. ينظر: التقريب ص 555. ولم أقف على كلامه هذا، إلا ما نقله ابن حجر في الإصابة (9/ 135).
الجزء: 2 - الصفحة: 112
وجواب ثالث: أنه لو حمله متأول على أنه كان ذلك من فعل قيس قبل النهي، لأشبه 47؛ لأن النهي لا يكاد أن يكون إلا عن شيء قد كان يفعل ظاهرًا منتشرًا.
واحتج: بما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "ما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيتي بعد العصر إلا صلى ركعتين" 48.
والجواب: أنه حديث مضطرب؛ وذلك أن أحمد - رحمه الله - قد روى في المسند 49 عن محمد بن جعفر 50 قال: نا شعبة عن يزيد بن أبي زياد 51 قال: سألت عبد الله بن الحارث 52 عن الركعتين بعد العصر؟ فقال: كنا عند معاوية، فحدَّث ابن الزبير عن عائشة - رضي الله عنهم -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان
الجزء: 2 - الصفحة: 113
يصليهما، فأرسل معاوية إلى عائشة - رضي الله عنهما - وأنا فيهم، فسألناها، فقالت: لم أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن حدثتني أم سلمة - رضي الله عنها -، فسألناها 53، فحدَّثت أم سلمة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر، ثم أُتي بشيء، فجعل يقسمه حتى حضرت صلاة العصر، ثم قام فصلى العصر، ثم صلى بعدها ركعتين، فلما صلاهما 54، قال: "هاتان الركعتان كنتُ أُصلِّيهما بعد الظهر"، قالت أم سلمة: ولقد حدَّثتُها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها 55، قال: فأتيتُ معاوية، فأخبرته بذلك، فقال ابن الزبير: أليس قد صلاهما؟ لا أزال أصليهما، فقال له معاوية: إنك لمخالف، لا تزال تحب الخلاف ما بقيتَ 56. فهذا يدل على اضطراب الحديث؛ لأنه روي في بعض الأخبار: أنها قالت: ما دخل بيتي قط بعد العصر إلا صلى ركعتين 57، وفي بعضها: أنها أحالت على أم سلمة 58، وعلى أنه لو صح ذلك، احتمل أن يكون
الجزء: 2 - الصفحة: 114
النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مخصوصًا بوجوب الركعتين، وجائز عندنا فعل الواجب بعد العصر.
وما روي عن أم سلمة - رضي الله عنها - دلالة لنا؛ لأنها قالت: ولقد حدثتها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها، وهذا يدل على النهي عن الصلاة بعد العصر.
وروى أحمد - رحمه الله - في المسند 59 عن يزيد 60 قال: نا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس 61، عن ذكوان 62، عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر، ثم دخل بيتي، فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله! لم تكن تصليها، فقال: "قدم عليَّ مال، فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر، فصليتهما الآن"، قلت: يا رسول الله! أفنقضيهما إذا فاتتنا؟ قال: "لا" 63.
وهذا يدل على النهي عن الصلاة بعد العصر، وأنه كان مخصوصًا
الجزء: 2 - الصفحة: 115
بذلك، على أنه في أخبارنا حظر، وفي خبرهم إباحة، والحاظر أولى.
وقد أجاب ابن بطة عن هذا الحديث بنحو ما أجبنا به، وإن كان مخصوصًا من وجهين: أحدهما: ما تقدم من حديث أم سلمة - رضي الله عنها -، وقولها: أفنصليهما إذا فاتتنا؟ قال: "لا".
والثاني: حيث 64 يتنفّل بها من غير أن يكون لها سبب؛ لأنها أخبرت عن دوام فعله، وما لا سبب له لا يجوز له لا يجوز لغيره.
وفي لفظ آخر بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال 65، وبين من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾، فيكون ما يتنفل به غيره جبرانًا لفريضته، وتمامًا لنقصه، وما يتنفل به هو - صلى الله عليه وسلم - فضل له على مفترضه، وعلو في درجته، وكما خُصَّ - عليه السلام - بالموهوبة 66، وبعدد الزوجات، وغير ذلك.
واحتج: بما روى جبير بن مطعِم - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "يا بني
الجزء: 2 - الصفحة: 116
عبد مناف! من وليَ منكم من أمر الناس شيئًا، فلا يمنع أحدًا طاف بهذا البيت وصلى ساعة من ليل أو نهار" 67.
والجواب: أن هذا محمول على ركعتي الطواف بما ذكرنا.
فإن قيل: إذا دل على ركعتي الطواف، نبه بها على غيرها.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأن ركعتي الطواف تابعة للطواف، والطواف يجوز في جميع النهار، فجاز أيضًا ما هو تابعها، وهذا المعنى معدوم في بقية الصلوات، وهذا لا يلزم عليه السنن الراتبة؛ مثل: ركعتي الفجر تابعة للفجر، ولا يجوز فعلها في وقت الفجر، وهو حال طلوع الشمس، ولكن يقال: إن تلك آكدُ؛ بدليل: أن من الناس من قال: هي واجبة؛ ولأنها تختص ببقعة، ولذلك تأثير في الجواز، ولذلك قال أصحاب الشافعي - رضي الله عنهم -: يجوز التنفل بمكة في الأوقات المنهي عنه؛ لأنها تبع
الجزء: 2 - الصفحة: 117
لفروض الطواف، ونفله، فلما جاز متبوعه - مع كونه نفلًا - كذلك التبع 68.
واحتج: بأنها صلاة لا سبب لها، فجاز فعلها في الأوقات المنهي [عنها] 69، دليله: القضاء، والنذر، وصلاة الجنازة، وركعتا الطواف، وإعادة الصلاة في جماعة، وتحية المسجد والإمام يخطب، وصوم عرفة إذا صادف جمعة.
والجواب: أن الفوائت، والنذر واجبات 70، ولا يمنع أن يجوز الواجب، وإن لم يجز التطوع؛ بدليل: النوافل المبتدأة، وأما صلاة الجنازة، فلا تجوز في ثلاث ساعات: حين طلوع الشمس، وحين غروبها، وحين قيامها، وتجوز بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تأخذ في الغروب، وقد نص على هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم 71 - وقد سئل عن الصلاة على الميت بعد العصر وبعد الصبح -، قال: نعم ما لم تطْفُل 72 الشمس للغروب، فإذا بدأ حاجب الشمس يغيب، ليس لك أن تصلي حتى تصلي المغرب، ثم تصلي عليها، وكذلك نقل أبو
الجزء: 2 - الصفحة: 118
طالب 73 - وقد سأله عن الساعات التي تكره الصلاة فيها على الميت -، فقال: يصلَّى عليها، فإذا أرادت الغروب، لم يصلَّ 74 حتى تغرب.
وإنما أجاز الصلاة بعد العصر، وبعد الفجر عليها 75؛ لأنها صلاة واجبة، فهي كالنذر؛ ولأن هذين الوقتين يطول بقاؤهما، فيخشى على الميت، وليس كذلك حين طلوع الشمس وغروبها؛ لأنه لا يطول بقاؤهما، فلا يخشى على الميت، فلهذا لم يصلَّ عليها 76.
ولأن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: ثلاث ساعات نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقبر فيهن موتانا، أو نصلي فيهن: حين تطلع الشمس، ونصف النهار، وحين تغرب الشمس 77. وأما إعادة الصلاة في جماعة، فهو جائز بعد الفجر، وبعد العصر، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة 78، وذكرنا الفرق بين النافلة وبين غيرها، وهو أنه شرع لها الجماعة، ومن الناس من يقول: هي فرضه؛ ولأنه متى لم يصل معهم، لحقته تهمة في حقه، وتهمة في حق الإمام، وهذا معدوم في غيرها، .................................
الجزء: 2 - الصفحة: 119
وأما ركعتا 79 الطواف، فقد نص على جوازها في رواية عبد الله 80، فقال: إذا طاف بعد العصر وبعد الفجر، فلا بأس أن يصلي ركعتين.
واحتج: بأن حسن وحسين - رضي الله عنهما - طافا بعد العصر، وصليا 81، و [رأى] ابن أبي مليكة ابن عباس 82 - رضي الله عنهم - طاف بالبيت بعد العصر، وصلى 83، فقد نص على جواز ذلك، وقد ذكرنا المعنى في ذلك، وأنها مختلف في وجوبها، وأنها تختص ببقعة، وهذا المعنى معدوم في بقية النوافل، وقد روى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه طاف بعد العصر، وصلى ركعتين 84، .....................................
الجزء: 2 - الصفحة: 120
وبإسناده حنظلة [السدوسي] 85 قال: رأيت عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - يطوف بعد العصر، ويصلي 86، وروى: أن خمسة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم، كانوا يطوفون بعد الصبح وبعد العصر، ويركعون بعدهما.
وأما تحية المسجد في حال الخطبة، فإنما جازت؛ لأن المنع من الصلاة هناك لم يختص الصلاة، ألا ترى أنه يمنع من قراءة القرآن، ومن الكلام؟ وإذا كان كذلك، فهو أخف، والنهي ها هنا اختص الصلاة، فهو = عن عبد العزيز بن رُفيع قال: رأيت عبد الله بن الزبير يطوف بعد العصر، ويصلي ركعتين.
ورجاله ثقات غير عبيدة بن حميد، قال ابن حجر: (صدوق نحوي ربما أخطأ).
ينظر: التقريب ص 414. وينحوه أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (13418 و 37602) عن عطاء: أنه رأى ابن الزبير طاف بالبيت قبل صلاة الفجر، ثم صلى ركعتين قبل طلوع الشمس.
الجزء: 2 - الصفحة: 121
آكد، ولأن القياس هناك يمنع أيضًا، ولكن تركناه لحديث سليك 87، والكلامُ عليه يأتي.
وأما صوم يوم عرفة إذا صادف يوم جمعة، وكان من عادته صيامه، فقد نص على جوازه، فقال في رواية الأثرم 88: في رجل كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوقع فطره يوم الخميس، وصومه يوم الجمعة، وفطره يوم السبت، فصام يوم عرفة مفردًا، فهذا لم يتعمد صومه خاصة، إنما كره أن يتعمد الجمعة.
وكذلك نقل أبو طالب 89: إذا كان يوم عرفة يوم جمعة، ولم يكن صام قبله يومًا 90، يصوم يوم الجمعة.
وكذلك قال في رواية أبي الحارث 91: ما أحب لرجل أن يعمد الحلوى واللحم بمكان النيروز 92؛ لأنه من رأي الأعاجم، إلا من يوافق ذلك وقتًا كان يفعل ذلك.
وإنما
الجزء: 2 - الصفحة: 122
جاز ذلك؛ لأنه إنما منع من فضل النفقة في يوم النيروز؛ لئلا يؤدي إلى تعظيم ذلك اليوم، فإذا وافق عادة، لم يوجد ذلك، فلهذا جاز، ومثله ها هنا منع من صوم يوم الجمعة منفردًا، تشبيهًا بيوم العيد، فإذا صادف عادة، لم يوجد ذلك المعنى، ولا يلزم على هذا يومي العيد، وأيام التشريق أنها لا تصام، وإن وافق عادة؛ لأنها لا تقبل الصوم، ألا ترى أنه لا يصح فيها فرض ولا نفل، فهو كزمان الليل، والحيض، وليس كذلك يوم الجمعة؛ لأنه يقبل الصوم، وهو الفرض، ولأن الشرع قد ورد بأن الصوم إذا وافق عادة، جاز فيه، وإن كان الوقت منهيًا عن الصوم فيه؛ بدليل: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقدِّموا هلال رمضان بيوم ولا بيومين، إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه" رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - 93.
واحتج: بأنه وقت لا يكره فيه قضاء الفوائت، والصلاة على الجنازة، وركعتا الطواف، فلا يكره فيه النوافل التي لها سبب، دليله: سائر الأوقات.
والجواب: أنا نقول: وجب أن يستوي حكم التي لها سبب، والتي لا سبب لها؛ قياسًا على سائر الأوقات، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 123
75 -