مَسْألَة: لا يجوز تأخير الصلاة في حال المسايفة (1) عن الوقت:
نص عليه في رواية صالح 2، ..............................1
الجزء: 4 - الصفحة: 19
وابن منصور 3، والعباس بن محمد بن موسى 4: في المصلي في المطاردة يستقبل القبلة، وإذا لم يستطع الركوع والسجود أومأ إيماءً، ويجعل السجود أخفض، فإن لم يقدر - يعني التوجه إلى القبلة - أجزأه.
وبهذا قال الشافعي - رحمه الله - 5.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا تجزئ الصلاة في هذه الحال، ويؤخر حتى يمكنهم أن يصلوا من غير مسايفة 6. = وابن هانئ في مسائله رقم (540 و 542 و 543)، وأبو طالب.
ينظر: رؤوس المسائل للعكبري (1/ 348)، والمغني (3/ 316)، والإنصاف (5/ 146)، وبدائع الفوائد (3/ 957).
الجزء: 4 - الصفحة: 20
دليلنا: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238] إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ فمنها دليلان:
أحدهما: الأمر بالمحافظة، وذلك يمنع من تركها.
والثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239]، وهذا عام في حال المسايفة، وغيرها، فهو على العموم.
وأيضًا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن نافع 7 عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يقول في صلاة الخوف: إن كان أكثر من هذا فليصلوا على أقدامهم أو ركبانًا على ظهور الدواب 8.
وروى أيضًا عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يحدثهم هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 9.
والقياس: أنه طاهر مكلف، فلم يجز له تأخير الصلاة عن وقتها مع قدرته على أدائها في الوقت، كما لو لم يكن في حال المسايفة.
وقولنا: (طاهر) يحترز به من الحائض والنفساء.
الجزء: 4 - الصفحة: 21
وقولنا: (مكلف) يحترز به من المجنون.
وقولنا: (مع قدرته على أدائها في الوقت) يحترز به إذا هدّده إنسان بالقتل، ومنعه عن الصلاة، جاز له تأخيرها؛ لأنه غير قادر.
فإن قيل: المعنى في الأصل أنه يمكنه أداء الصلاة في غير حال المسايفة على حالة لا تنافيها ولا تضادها، وفي حال المسايفة والمطاعنة لا يمكنه أداؤها إلا مع أفعال تنافي الصلاة، وتضادها، ويوجب إعادتها، فلهذا لم يجز فعلها.
قيل له: قد أطلق أحمد - رحمه الله - القول في الصلاة في حال المطاردة أنها تجزؤه، ولا يمتنع ذلك؛ لأنه لما عُفي عن ترك القبلة في هذه الحال جاز أن يعفى عن كثرة العمل فيها، وعلى أنه لا يمتنع أن يلزمه الفعل، وإن لم يعتد به كالمضي في الحج الفاسد، والدخول مع الإمام في حال السجود؛ ولأنه نوع عذر يجوز ترك القيام فيه في الصلاة المفروضة، فوجب أن يكون من جنسه ما يجوز ترك الركوع والسجود فيه كالمرض.
واحتج المخالف: بما رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتته أربع صلوات يوم الخندق، فلما كان هوي من الليل 10 قام فقضاهن، وقال: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى" 11، فلو جازت
الجزء: 4 - الصفحة: 22
الصلاة في حال القتال لما أخَّر الصلوات عن أوقاتها.
والجواب: أن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف، يدل عليه ما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه ذكر هذا الحديث ثم قال: ذلك قبل أن ينزل [في] 12 صلاة الخوف، قوله تعالى: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] 13، فإذا كان كذلك لم يصح الاحتجاج به.
فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع 14، وهي قبل الخندق.
قيل: صلاة ذات الرقاع ليس بصلاة شدة الخوف، وهي التي ذكرها = وكتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين، رقم (6396)، ومسلم في كتاب المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، رقم (627)، من حديث علي - رضي الله عنه -.
الجزء: 4 - الصفحة: 23
في سورة النساء ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] , والخلاف في هذه المسألة في صلاة شدة الخوف، وهي لم تكن نزلت، ولهذا قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239].
واحتج: بأن كل معنى لا تصح الصلاة معه في غير حال الخوف بحال لا تصح معه في حال الخوف، أصله: الزعقات لإذهاب العدو، وإنشاد الأشعار، ونحو ذلك.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار حال الضرورة بغيرها، ألا ترى أنه يجوز لهم أن يصلوا الفريضة ركبانًا إلى غير قبلة، ولا يجوز لهم أن يصلوا هكذا في غير حال الضرورة، وعلى أن المعنى في الأصل أنه لا ضرورة بهم إلى الزعقات، ويمكنهم أن يصلوا من غير أن يزعقوا فيها، والحرب مع السكوت أولى وأهيب، ولهذا قال يوم فتح مكة 15:
وأتبعتنا بالسيوف المسلمة ... ضربًا فما تسمع إلا همهمة
تقد كل ساعد وجمجمة ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
الجزء: 4 - الصفحة: 24
3 -