مَسْألَة: لا يجوز أن يسافر يوم الجمعة بعد الزوال، رواية واحدة
قال أبو داود 3: قلت لأحمد - رحمه الله -: يجيء النفير والإمام يخطب يوم الجمعة، أينفرون؟ فذكر شيئًا كأنه لا يرى أن ينفروا.
قال أبو بكر 4 في كتاب السير 5: إذا لم يُستغاثوا، ولم يتيقَّنوا أمر العدو، لم يخرجوا حتى يصلوا 6.
وأما السفر قبل الزوال، وبعد طلوع الفجر، ففيه روايات ثلاث 7:
أحدها: لا يجوز، قال في رواية صالح 8: لا يخرج الرجل يوم الجمعة من أهل المصر حتى يجمِّع، ليس هو بمنزلة المسافر.
فقد أطلق القول بالمنع.
الجزء: 3 - الصفحة: 180
والثانية: يجوز، قال في رواية أبي طالب 9: خرجنا من اليمن نريد عبد الرزاق يوم الجمعة، ولم نصلِّ، فأصابنا شقاء لا يعلمه إلا الله من شدة المطر والريح والحبس، ويقال: لا يكاد أحد يخرج قبل الصلاة إلا أصابه بلاء.
فظاهر هذا: أنه يجوز السفر؛ لأنه سافر قبل الصلاة، إلا أنه كرهه، ولم يحرمه.
والثالثة: يجوز في النفير خاصة، سواء تعين بالنفير، أو لم يتعين، ولا يجوز السفر لغيره، قال في رواية أبي طالب 10: لا يسافر يوم الجمعة قبل الصلاة حتى يصلي، فقيل: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - 11: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عبدَ الله بنَ رواحة، وجعفر [اً]- رضي الله عنهما -، فتخلف عبد الله؟ فقال: هذا في الجهاد لا بأس به، الجهاد أفضل، وما كان غير الجهاد، فلا يخرج حتى يصلي.
فقد صرح بالفرق بين الجهاد وبين غيره.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يجوز السفر قبل الزوال وبعده ما لم يُحرم بالصلاة 12.
الجزء: 3 - الصفحة: 181
وقال مالك - رحمه الله -: لا يجوز السفر بعد الزوال، ويجوز قبله، غير مكروه 13.
وقال الشافعي - رحمه الله -: لا يجوز السفر بعد الزوال، قولًا واحدًا، وهل قبله وبعد طلوع الفجر يجوز؟ على قولين: قال في الجديد: لا يجوز، وفي القديم قال: يجوز 14.
فالدلالة على أنه لا يجوز السفر بعد الزوال خلافًا لأبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] , فأمر بالسعي إلى الجمعة، والأمر يقتضي الوجوب، ولم يفرق بين أن يكون عازمًا على إنشاء السفر، أو غير عازم، فهو على العموم.
فإن قيل: لا فرق عندك بين أن يريد السفر قبل النداء، أو بعده، فلا معنى لهذا التخصيص.
قيل له: إذا ثبت وجوب السعي بعد النداء، ثبت وجوبه فيما قبل؛ لأن أحدًا لا يفرق بينهما، ويدل عليه: ما روى الدارقطني في كتاب الأفراد بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سافر من دار 15 إقامة
الجزء: 3 - الصفحة: 182
يوم الجمعة، دعت الملائكة عليه [أن] 16 لا يُصحب في سفره، ولا يُعان على حاجته" 17، فلو كان ذلك جائزًا ما تُوعّد 18 عليه.
ولأنه تعين عليه فعلُ الجمعة، فلا يجوز له تركُه بالسفر؛ قياسًا عليه إذا أحرم بها.
فإن قيل: لا نسلم أنه تعين عليه فعلُ الجمعة بدخول وقتها.
قيل: أما على أصلنا: فهو ظاهر؛ لأنها تجب بدخول الوقت، وأما على أصلهم: ففرضه 19 فيه إذا نودي للصلاة، وهو في الحضر، وضاق الوقت، فإنه لا يجوز له السفر؛ دليله: لو أحرم بها، وهذا وصف مسلّم.
واحتج المخالف: بما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجّه عبد الله بن رواحة، وجعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة - رضي الله عنهم - إلى الشام، فتخلف عبد الله بن رواحة، فقال له النبي: "ما خَلَّفك؟ "، قال: أُجمِّع، .................................
الجزء: 3 - الصفحة: 183
ثم أَروح 20، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَغدوةٌ في سبيل الله أو رَوْحَة خيرٌ من الدنيا وما فيها" 21، فراح عبد الله منطلقًا.
وروى أيضًا بإسناده عن ابن أبي ذئب قال: رأيت ابن شهاب يريد يسافر يوم الجمعة ضحوةً، فقلت له: تسافر يوم الجمعة؟ فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سافر يوم الجمعة 22.
وروى أيضًا بإسناده عن خالد الحذاء: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رأى رجلًا قد جمع عليه ثيابه غداة الجمعة، فقال له عمر - رضي الله عنه -: أين تريد؟ قال: أريد سفرًا، فقال له عمر: أما إن الجمعة لا تمنع من سفره 23.
الجزء: 3 - الصفحة: 184
وروى أيضًا بإسناده عن صالح بن كيسان 24: أن أبا عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - خرج يوم الجمعة في بعض أسفاره، ولم ينتظر الجمعة 25.
والجواب عن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: فمن أصحابنا من أخذ بظاهره في الجهاد، وأما من سَوَّى بين الجهاد وغيره، فنجيب عنه: بأنه ليس في الخبر أنه وجّه السرية يوم الجمعة، ويحتمل أن يكون جهزها في آخر الأسبوع قريبًا من يوم الجمعة، فأخر جعفر 26 الخروج؛ ليصلي الجمعة في يوم الجمعة، فحثه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخروج.
وأما حديث ابن شهاب - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سافر يوم الجمعة، فهو مرسَل، وعلى أنه يحتمل أن يكون سافر إلى موضع آخر تقام فيه الجمعة، ولا تُقصر فيه الصلاة.
وأما حديث عمر - رضي الله عنه -، فقال مهنا: سألت أحمد - رحمه الله - عن حديث عمر - رضي الله عنه -: لا تحبس الجمعةُ عن سفر، فقال: ليس له إسناد 27، الأسود بن قيس عن أبيه، ولم يذكر عمر.
وعلى أنا نقابله، ونقابل غيره
الجزء: 3 - الصفحة: 185
من الصحابة؛ بما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عطاء عن عائشة - رضي الله عنها -: إذا أدركتَ ليلةَ الجمعة، فلا تخرجْ حتى تصلِّي الجمعة 28. وروى أيضًا بإسناده عن الأوزاعي 29 عن حسان بن عطية 30 - رضي الله عنه - قال: من خرج يوم جمعة قبل الصلاة، دُعِي 31 عليه أن لا يصاحَب في سفره، ولا يُعان على حاجته 32. وبإسناده عن مجاهد - رضي الله عنه -: أن قومًا خرجوا في سفر يوم الجمعة قبل الصلاة، واضطرم عليهم خباؤهم نارًا، وما تقربهم نار 33.
الجزء: 3 - الصفحة: 186
وعلى أن قول عمر - رضي الله عنه -: الجمعة لا تمنع من سفر، يحتمل أن يريد به: لا يمنع سفرًا مبتدأ، أما على أنه إذا اجتاز ببلد لا يمنعه الجمعة.
واحتج: بأنه إذا أجاز السفر قبل الزوال، جاز بعده؛ قياسًا على سائر الأيام وسائر الصلوات، ولأنه سافر قبل دخوله في الجمعة، فوجب أن يجوز؛ قياسًا على ما قبل الزوال، أو قبل طلوع الفجر من يوم الجمعة.
والجواب: أنه فيما قبل الزوال روايتان: إحداهما: أنه لا يجوز، فعلى هذا: لا نسلم هذا، والثانية: يجوز، فعلى هذا المعنى فيه، وفيما قبل طلوع الفجر: أنه سافر قبل وجوب الجمعة، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه سافر بعد وجوبها، أو بعد دخول وقتها، أشبهَ إذا سافر بعد دخول وقتها، وأما سائر الصلوات، فالمعنى فيها: أنه يجوز فعلها في السفر، وليس كذلك الجمعة؛ لأنه لا يجوز فعلها في السفر، فإذا سافر قبل فعلها، كان تاركًا لها، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج: بأنه ليس فيه أكثر من سقوط الفرض بسفره، وهذا لا يمنع منه السفر؛ بدليل: الصوم يجوز له أن يسافر في أول يوم من رمضان.
والجواب: أن السفر لا يمنع الصوم؛ لأنه يصح فعله فيه، ويمنع صحة الجمعة، ولأن السفر لا يُسقط الصوم، وإنما يتأخر فعلُه.