مَسْألَة: لا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها لا الإمام ولا المأموم لا في المصلى ولا في المسجد:
نص على هذا في رواية الجماعة منهم: أبو داود، وابن القاسم، والأثرم، وعبد الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يصلي قبلها، ويصلي بعدها إن شاء.
وقال مالك رحمه الله: إن كانت الصلاة في المصلى فالحكم فيه كما ذكرنا، وإن كانت في المسجد ففيه روايتان: روي عن نافع عنه أن حكمه حكم المصلى أيضًا، ونقل ابن القاسم، وابن الحكم: أنه يتنفل فيه قبل الجلوس بخلاف المصلى.1
الجزء: 4 - الصفحة: 58
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يجوز أن يصلي قبلها وبعدها.
دليلنا: ما روى أبو عبد الله بن بطة بإسناده في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر في العيدين سبعًا وخمسًا وكان يقول: "لا صلاة قبلها ولا بعدها".
وروى النجاد بإسناده في كتابه عن جرير بن عبد الله بن جرير البجلي - رضي الله عنهم - عن أبيه عن جده جرير قال: كنت آخر الناس إسلامًا، فحفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة في العيدين قبل الإمام".
وهذا نهي، وأقل أحوال النهي الكراهة.
وأيضًا ما روى النجاد بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم العيد لم يصل قبلها ولا بعدها.
وروى أيضًا عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: لم يصل النبي - صلى الله عليه وسلم - قبلها ولا بعدها.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه خرج يوم عيدٍ فلم يصل قبلها ولا بعدها، وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل قبلها ولا بعدها.
وهذا إخبار عن دوام فعله عليه السلام، فلو كان جائزًا لم يداوم على تركه مع ترغيبه في فعل الطاعات.
ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
الجزء: 4 - الصفحة: 59
فروى النجاد بإسناده عن أيوب قال: كان حذيفة، وابن مسعود - رضي الله عنهما - يقومان في يوم العيد فينهيان الناس عن الصلاة قبل العيد، هما أو أحدهما.
وروى أيضًا عن ثعلبة بن زهدم الحنظلي أن أبا مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قام يوم عيد فقال: لا صلاة في هذا اليوم حتى يخرج الإمام.
وروى أيضًا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهم -: أنه كان يكره أن يُصلى يوم العيد قبل الإمام.
وروى عن الشعبي قال: رأيت ابن أبي أوفى، وابن عمر، وجابر - رضي الله عنهم - لا يصلون قبل العيد ولا بعدها.
وروى عن أبي عبد الله عن علي - رضي الله عنه -: أنه كان لا يصلي قبل العيد ولا بعدها.
وروى عن الأسود النهدي قال: رأيت طنفسة أنس بن مالك - رضي الله عنه - أخرج بها يوم عيدٍ فلم يصل قبلها ولا بعدها.
وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن الحارث عن علي - رضي الله عنه - أنه خرج في يوم عيدٍ فرأى قومًا يصلون يوم عيدٍ فقال: لولا أني أكون الذي قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ [العلق: 9] لنهيت هؤلاء، ولكنا نخبرهم بما كان يصنع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان بعضنا يغتسل، وبعضنا يتوضأ، ثم نخرج فلا يصلي أحد منا حتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن شاء صلى، ومن شاء لم يصل.
الجزء: 4 - الصفحة: 60
فإن قيل: يعارض هذا بما روى قتادة أنه قال: كان أنس، وأبو هريرة - رضي الله عنهما - يصليان قبل صلاة العيد.
وروى أبو أيوب قال: رأيت أنس بن مالك، والحسين - رضي الله عنهما - يصليان قبل العيد.
قيل له: أما أنس فقد روينا عنه أنه كان تفرش له الطنفسة، فلا يصلي قبلها ولا بعدها، فتعارضت الروايتان فسقطتا، وسلم قول غيره، وعلى أنا نحمل ما روي عنه، وعن أبي هريرة على أنهما كانا يصليان في غير موضع صلاة العيد.
وأما الحسين - رضي الله عنه - فقد روي عن جماعة من التابعين - رضي الله عنهم - خلاف فعله، وأيضًا فإن كان صلاة لا يصلي الإمام قبلها، لم يصل المأموم أيضًا كصلاة المغرب.
فإن قيل: إنما يمنع الإمام من الصلاة إذا جاء وقت إقامة الصلاة، فأما إن بكَّر الإمام إلى موضع وقعد فيه ينتظر فإنه يصلي.
قيل له: نقيس عليه إذا جاء وقت إقامة الصلاة، فإنه لا يستحب له ذلك.
فإن قيل: إنما كرهت للإمام؛ لئلا يقتدي الناس به، ويعتقدون أن ذلك سنة لأجل العيد.
قيل: فكان يجب أن يفرق بهذا المعنى بين الإمام والمأموم في المغرب، وكان يجب أن يمنع الإمام بعدها لهذه العلة.
الجزء: 4 - الصفحة: 61
فإن قيل: لما جاز التطوع قبل هذه الصلاة وبعدها في غير مكانها الذي صلاها فيه، جاز في مكانها كسائر الصلوات.
قيل: يجوز للإمام أن يطوع قبل مجيئه إلى مصلاه، ولا يجوز في مصلاه كذلك غيره من الناس.
فإن قيل: المعنى في المغرب أن وقتها ضيّق، فإذا اشتغل بالنافلة فاتته الفريضة، فلهذا كره له أن يتنفل.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل عندنا أن وقتها يمتد إلى غيبوبة الشفق.
واحتج المخالف: بأن هذا الوقت خارج من أوقات النهي، وهو ما بعد الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع، وما بعد العصر حتى تغرب، وعند الزوال حتى تزول، فلا يخاف بفعل النافلة فوات ما هو أولى منها، فوجب أن لا يكره فعل النافلة فيها، دليله: سائر الأوقات.
ولا يلزم عليه إذا ضاق وقت الفريضة، وخاف فواتها، وإذا كان يعرف مسلمًا وهو يقدر على تخليصه فإنه أولى من الاشتغال بالنافلة، ويكره التنفل، وكذلك خطبة الإمام؛ لأن هناك ما هو أولى، وربما قالوا: كل وقت لو أحرم بالنافلة لم يؤمر بقطعها، فإنه لا يكره له فعلها، دليله: سائر الصلوات.
والجواب: أن هذا يبطل بالصلاة في خلال الخطبة، وهو لا يسمع الإمام، فإنه ممنوع منه، وإن كان خارجًا عن الأوقات المنهي عنها، وليس
الجزء: 4 - الصفحة: 62
فيه فوات ما هو أولى منه، ومع هذا يمنع من الصلاة، ونعكسه فنقول: فاستوى فيه الإمام والمأموم.