مَسْألَة: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلًا:
نص على هذا في رواية عبد الله، فقال 1: لا يجمّع حتى يكونوا أربعين رجلًا، وكذلك نقل الأثرم 2، وإبراهيم بن الحارث 3، فقال: إذا كانوا أربعين، واحتج: بحديث مصعب بن عمير - رضي الله عنه -: بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل مكة 4 يؤمهم الجمعة، وكانوا أربعين، فإذا كانوا أقل من أربعين، فلا أعرفه.
وكذلك نقل الميموني عنه 5: أنه للدلالة إذا كانوا أقل من أربعين، فقال: ليتهم 6 يجمعون إذا كانوا أربعين.
وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه عنه 7: إذا كانوا في موضع واحد خمسين رجلًا، جمعوا الجمعة.
فمن أصحابنا من خرجها على
الجزء: 3 - الصفحة: 129
روايتين 8، وقال: أقل العدد خمسون علي رواية بكر، والثانية: أقله أربعون، وهو المذهب.
وبه قال الشافعي - رضي الله عنه - 9.
ونقل أبو الحارث 10 عن أحمد - رحمه الله -: في أهل القرى إذا كانوا ثلاثة، جمعوا إذا خطب بهم.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: تنعقد الجمعة بثلاثة سوى الإمام 11.
وقال أصحاب مالك - رحمهم الله -: لا ينحصر ذلك بعدد، بل يعتبر عدد أنهم قرية، ويمكنهم الإقامة، ويكون بينهم الشراء والبيع، ومنعوا ذلك في الثلاثة والأربعة 12.
وقال داود: تنعقد الجمعة بما تنعقد به الجماعة 13.
دليلنا: ما روى أبو الحسن الدارقطني بإسناده 14 عن جابر بن
الجزء: 3 - الصفحة: 130
عبد الله - رضي الله عنهما - قال: مضت السنة أن في كل ثلاثة إمامًا 15، وفي كل أربعين فما فوقه جمعة وأضحى وفطر، وقول الصحابي: من السنة، يقتضي: سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وروى أحمد - رحمه الله - في مسائل عبد الله 16 قال: نا يحيى بن آدم 17 قال: نا [ابن] 18 إدريس 19 عن محمد بن إسحاق 20، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف 21، عن أبيه أبي أمامة 22، عن عبد الرحمن = وأخرجه البيهقي في الكبرى، كتاب: الجمعة، باب: العدد الذين إذا كانوا في قرية وجبت عليهم جمعة، رقم (5607)، وقال: (تفرد به عبد العزيز القرشي، وهو ضعيف).
الجزء: 3 - الصفحة: 131
ابن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنت أقود أبي كعبًا بعد ما ذهب بصره، فكان إذا سمع النداء يوم الجمعة، يصلي على أسعدَ بنِ زرارة، ويستغفر له، قال: فقلت له: يا أبه! لا أراك تسمع النداء يوم الجمعة إلا صليت على أبي أمامة 23، واستغفرتَ له، قال: يا بني! إنه أولُ من جمَّع بنا بالمدينة في هزم نبيت 24 في بقيع يقال له: الخَضِمات في حَرَّة بني بياضة، وقال: قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا 25.
فوجه الدلالة من الخبر: أن هذه أول جمعة كانت جُمّعت في الإسلام، وكان فرضها نزل بمكة، وكان بالمدينة من المسلمين أربعة وأكثر ممن هاجر إليها من مكة، وممن أسلم بالمدينة، ثم لم يصلوا سنينًا كثيرة حتى كمل العدد، فدل على أنها لا تجب على أقل من هذا العدد.
والقياس: أن الأربعة عدد لا تنعقد بهم الجمعة في القرى، فلا تنعقد بهم الجمعة في المصر، أصله: الثلاثة.
وقيل: عدد مشروط في بعض الشهادات، فلا تنعقد بهم الجمعة؛ كالاثنين.
= ينظر: التقريب ص 76.
الجزء: 3 - الصفحة: 132
وقيل: عدد مشروط لا تنعقد بهم الجمعة بغير إذن الإمام، فلم تنعقد بإذنه؛ دليله: ما ذكرنا.
وقيل: عدد لا تبنى لهم الأوطان غالبًا، فلا تنعقد بهم الجمعة؛ دليله: ما ذكرنا، ولا يمكن أن يقال: قد تبنى رباطات في الطرقات يستوطنها الثلاثة، والأربعة، والعشرة؛ لأن الرباط يبنى للمسافر، لا للمقيم فيه، ولأن الجمعة اشتراط فيها، فيجب أن يختص بانعقادها المستوطنون 26، والأربعة لم تجر العادة باستيطانهم في بلد، فلم يكونوا من أهلها.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه بعث مصعب بن عمير إلى المدينة قبل أن يهاجر إليها، وأمره أن يقيم بها الجمعة، فأقامها في دار سعد بن خيثمة في اثني عشر رجلًا 27، فلو كان الأربعون شرطًا في انعقادها، لما جاز أن يقيمها باثني عشر رجلًا.
والجواب: أن المروذي ذكر في شرحه: أنه جمّع بهم، وكانوا أربعين 28.
وقيل في جوابه أيضًا: ليس معناه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[علم] 29 بذلك، فرضي به.
الجزء: 3 - الصفحة: 133
واحتج: بما روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: 11]: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب، فقدم عير من مصر، فانفض الناس إلى العير، وبقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - اثنا عشر رجلًا 30، ولم ينقل أنهم رجعوا، ولو رجعوا، لنقل، ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يترك الجمعة ذلك الوقت، وصلى بهم، فدل على سقوط الأربعين.
والجواب: أن أبا الحسن الدارقطني روى بإسناده في كتابه 31 عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطبنا يوم الجمعة، إذ أقبلت عير تحمل الطعام، حتى نزلوا بالبقيع، فالتفتوا إليها، فانفضوا إليها، وتركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس معه إلا [أربعون] 32 رجلًا أنا فيهم، قال: وأنزل الله - عز وجل - على النبي - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: 11]، فتعارضت
الجزء: 3 - الصفحة: 134
الروايتان 33، فسقطتا، أو تُقَدَّم روايتنا؛ لأن معنا زيادة، وعلى أنه يحتمل أنهم يكونون 34 رجعوا إليه، وصلّوا 35 الجمعة بالجميع، وإنما لم يذكره جابر؛ لأن قصده: بيانُ الانفضاض وسننه، دون ذكر الجمعة وشرائطها.
واحتج: بأنه عدد يزيد على أقل الجمع الصحيح، فجاز أن تنعقد بهم الجمعة؛ قياسًا على الأربعين.
والجواب: أن هذا إثبات تقدير، ولا يجوز مثل ذلك عندهم بالقياس، وإنما يجوز بالتوقيف أو الاتفاق، وليس في ذلك توقيف ولا اتفاق، وعلى أن ما زاد على الجمع المطلق في حكم الجمع المطلق في باب الجماعة، ألا ترى أن الإمام مع الاثنين يتقدمهما، ويصفان خلفه، كما إذا كان مع الثلاثة يتقدمهم ويصفون خلفه؟ ثم ثبت أن الجمع المطلق لا تنعقد بهم الجمعة، فعلم أنه لا اعتبار 36 بالجمع في ذلك.
واحتج: بأنه عدد لا يعتبر في غير الجمعة، فلا يعتبر في الجمعة؛ دليله: الثلاثون، ولا يلزم عليه الأربعة؛ لأنه يعتبر في حد الزنا.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يعتبر في الجمعة ما لا يعتبر في غيرها،
الجزء: 3 - الصفحة: 135
ألا ترى أنه يعتبر فيها الخطبة، ولا يعتبر ذلك في صحة غيرها؟ على أن الأربعين قد جُعلت حدًا (1) عند أبي حنيفة - رحمه الله - (2)، فما زاد على المئتي درهم إذا بلغت أربعين، وجب فيها درهم، وما نقص عنها، لا يجب، وجُعل مدة (3)، وجُعل حدًا للعبيد في الشرب، وجُعل نصابًا للغنم بإجماع (4)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما من ميت يصلِّي عليه أربعون رجلًا إلا شفعوا فيه" (5).
146 -