مَسْألَة: لا تجب الجمعة على العبد في أصح الروايتين:
نقل ابن منصور عنه، فقال: لا جمعة على عبد 1.
وروى عنه في موضع آخر 2: لا جمعة على عبد، إلا أن يأذن له سيده.
وبهذا قال أبو حنيفة 3، ومالك 4، والشافعي 5 - رضي الله عنهم -.
الجزء: 3 - الصفحة: 322
وفيه رواية أخرى: تجب عليه الجمعة، رواها عنه المروذي 6، فقال: سأل أبا عبد الله مملوكٌ، فقال له: إن مولاي لا يدعني أصلي الجمعة، فترى أن أذهب من غير علمه؟ فقال أبو عبد الله: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فقد وجب عليك، وعلى كل مسلم، فقال له العبد: فأذهب من غير إذنه؟ قال: يعجبني أن تطلب إليه، وتحمل عليه حتى يأذن لك.
وبهذا قال داود 7.
وجه الرواية الأولة: ما روى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة، إلا صبي، أو امرأة، أو مسافر، أو عبد، ومن استغنى بلهو أو تجارة، استغنى الله عنه، والله غني حميد" 8.
وروى أيضًا بإسناده عن محمد بن كعب القرظي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة في جماعة، إلا عبد، أو صبي، أو امرأة" 9.
وروى أبو داود في كتابه 10 بإسناده عن طارق بن شهاب - رضي الله عنه -، عن
الجزء: 3 - الصفحة: 323
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة حقٌّ واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض"، قال أبو داود: طارق رأى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويعد من الصحابة - رضي الله عنهم -، وهذه الأخبار نصوص في إسقاط الجمعة عن العبد.
ولأن الجمعة عبادة تختص بمكان مخصوص يحتاج في أدائها إلى قطع مسافة في العادة، فلا يلزم العبد؛ كالحج، ولا يلزم عليه سائر الصلوات؛ لأنها لا تختص بمكان، ولا يحتاج فيها إلى قطع مسافة؛ لأنها تفعل بكل مكان، وكذلك الصيام.
ولأن في اشتغاله في الجمعة تركَ خدمة المولى؛ لأنه يحتاج إلى أن يسمع الخطبة، وينتظر إقامة الصلاة، وما أدى إلى إسقاط خدمة المولى لم يؤمر به؛ كالجهاد، ولا يلزم عليه سائر الصلوات؛ لأن الاشتغال بها لا يؤدي إلى الإخلال بخدمة السيد في الغالب؛ لأنها لا تفتقد إلى زمن طويل، ولا تختص بمكان.
ولأنه منقوص بالرق، والجمعة كاملة، فلا تجب إلا على كامل.
= وأخرجه الدارقطني في كتاب: الجمعة، باب: من تجب عليه الجمعة، رقم (1577)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الجمعة، باب: من لا تلزمه الجمعة، رقم (5632) بلفظ: (الجمعة واجبة على كل مسلم، إلا على ... )، وقال: (هذا الحديث، وإن كان فيه إرسال، فهو مرسل جيد، فطارق من خيار التابعين، وممن رأى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن لم يسمع منه، ولحديثه هذا شواهد)، قال ابن حجر: (صححه غير واحد).
ينظر: التلخيص (3/ 1022).
الجزء: 3 - الصفحة: 324
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، وهذا عام في الحر، والعبد، والذكر، والأنثى.
والجواب: أن المراد به: الحرية؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]، وظاهر هذا يقتضي النهيَ عمن يملك البيع، حتى يخاطب بتركه لأجل الصلاة، والعبد لا يملك.
واحتج: بقوله - عليه السلام -: "إن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في يوم الجمعة" 11.
وقوله - عليه السلام -: "الجمعة واجبة على كل مسلم" 12.
والجواب: أنا قد روينا فيه زيادة، وهو قوله - عليه السلام -: "إلا صبي أو امرأة أو مسافر أو عبد"، والأخذ بالزائد أولى.
واحتج: بأنها صلاة مفروضة بأصل الشرع، فوجبت في العبد، وغيره؛ كسائر الصلوات.
والجواب: أن سائر الصلوات لا يؤدي الاشتغال بها إلى إسقاط حق السيد، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يؤدي إلى ذلك من الوجه الذي ذكرنا فبان الفرق بينهما.
واحتج: بأنه ذَكَر مكلَّف، فوجبت عليه الجمعة؛ كالحر.
الجزء: 3 - الصفحة: 325
والجواب: أن الحر كامل؛ ولأن الحر غير مملوك الرقبة، والله تعالى أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 326