مَسْألَة: لا بأس بحضور العجوز الجماعة:
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية حنبل 1 - وقد سئل: في
الجزء: 2 - الصفحة: 251
خروج النساء إلى العيد -، فقال: هؤلاء يفتنَّ الناس، إلا أن يكون امرأة قد طعنت في السن، وبهذا قال أبو يوسف 2.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله - 3: يُكره خروجها إلى الفجر والعشاء والعيدين، ولا خلاف في الشابة أنه يكره لها ذلك.
دليلنا: ما روى أحمد - رحمه الله - 4، وذكره أبو بكر الخلال في جامعه قال: نا وكيع قال: ثنا حنظلة الجمحي 5 عن سالم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا استأذنكم نساؤكم إلى المسجد، فَأْذنوا لهنَّ" 6. = وعبد الله في مسائله رقم (618)، وينظر: التمام (1/ 246)، والمبدع (2/ 181)، والإنصاف (5/ 338). وإلى هذا ذهب المالكية، والشافعية.
ينظر: المدونة (1/ 106)، والكافي ص 78، والمهذب (1/ 303)، والبيان (2/ 366).
الجزء: 2 - الصفحة: 252
قال أحمد - رحمه الله - في رواية الميموني: إسناده حسن 7.
فلو كان الخروج مكروهًا، لم يحثهم على الإذن.
وروى أبو بكر الخلال بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا استأذنت أحدَكُم امرأتُه إلى المسجد، فلا يمنعْها 8، ولكن لا تأتيه متطيبةٌ، ولا متزينةً"، وهذا عام في جميع النساء، إلا أنه خرج منه الشباب بدليل، وبقي ما عداه على موجب الظاهر.
ورُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى النساء عن الخروج، وقال: "إلا عجوزًا في مَنْقَليها 9 " 10.
وروى أبو بكر الخلال موقوفًا على ابن مسعود - رضي الله عنه -، فقال: نا محمد
الجزء: 2 - الصفحة: 253
ابن إسماعيل قال: نا وكيع عن سفيان، عن سلمة بن كهيل 11، عن أبي عمرو الشيباني قال: قال عبد الله: ما صلت امرأة صلاةً أفضلَ من صلاتها في بيتها، إلا أن تصلي عند المسجد الحرام، إلا عجوزًا في منقليها.
يعني: خُفَّيها 12 13.
فإن قيل: نحمل هذا على الفجر، والعشاء.
قيل له: هذا تخصيص بغير دلالة، ولأنه لما جاز حضور الجماعة للعشاء والفجر، جاز للعصر والظهر؛ دليله: الرجل، ولأن لها أن تخرج للعيدين، فلها أن تخرج لسائر الصلوات كالرجل، ولأنه لا يخشى من حضورها الفتنة للرجل، وقياسًا على العشاء والفجر، وعكس هذا كله الشابة.
واحتج المخالف: بما رُوي عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها قالت: لو علم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء بعدَه، لمنعهن المساجدَ كما
الجزء: 2 - الصفحة: 254
مُنعت نساءُ بني إسرائيل 14.
فأخبرتْ أن ما أحدث النساء بعدُ يُوجب منعهن من حضور المساجد، ولم تفرق بين العجوز والشابة.
والجواب: أن هذا محمول على الشابة، وهو الظاهر؛ لأن الحدث 15 الذي يخاف منه الإنسان إنما يوجد منهن.
واحتج: بأن العجوز تشبه الرجل من وجه، وهو: أنه لا يخشى وقوع الفتنة من حضورها، وللرجل مصافحتها، وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية حرب: كل شيء من المرأة عورة، قيل: فالوجه؟ قال: إذا كانت شابة تُشتهى، فإني أكره ذلك، وإن كانت عجوزًا، رجوت 16، وقال أيضًا في رواية صالح 17، وابن منصور 18: يسلم 19 على المرأة إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 255
كانت عجوزًا، فأما الشابة، فلا تستنطق.
فظاهر هذا: أنه جعلها كالرجل من هذا الوجه، وتشبه المرأة من وجه، وهو: أنها مأمورة بالستر، ولا يحل لها أن تسافر بغير محرم، وصلاتها المكتوبة [في بيتها] 20 أفضلُ من صلاتها في المسجد، وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية الميموني 21 - وقيل له: مالك 22 - رحمه الله - يقول: العجوز تخرج مع عجائز مثلها؛ يعني: إلى الحج -، فقال: ومن فرق بين العجوز والشابة، وهذا يمنع من الخروج بغير محرم، وروى المروذي عنه: في امرأة كبيرة، وليس لها محرم، وقد وجدت أقوامًا صالحين؟ فقال: إن تولت 23 هي النزول، ولم يأخذ رجل 24 بيدها، فأرجو 25.
وظاهر هذا: جوازُ الخروج بغير محرَم، فلما أخذت الشبه من هذين الأصلين، أعطينا كل واحد من الأصلين حظه من الشبه، فقلنا: إنها تحضر صلاة العشاء، والفجر، والعيدين كالرجل، ولا تحضر سائر الصلوات كالنساء.
الجزء: 2 - الصفحة: 256
والجواب: أن هذا المعنى يوجب كراهة خروجها لصلاة العيدين، ومع هذا، لم يكره عندك، وعلى أن العلة في منع الشابة خوفُ الفتنة بها، يدل على صحة هذا: ما روى النجاد بإسناده عن زيد بن خالد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تمنعوا إماء الله مساجدَ الله، وليخرجْنَ إذا خرجْنَ تَفِلاتٍ" (1)، يعني: غيرَ متطَيباتٍ (2). وقد صرح به في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر النساء! إذا خرجتنَّ لصلاة عشاء الآخرة، فلا تَمَسَّنَّ طيبًا" (3)، وإنما نهى عن الطيب؛ لأن الافتتان به يحصل، وهذا المعنى معدوم في العجوز، فيجب أن تزول الكراهة، والله أعلم.
91 -